القاهرة ـ ‘ القدس العربي’ ـ من محمود قرني حصد الروائي والقاص محمود الورداني جائزة كبار الكتاب التي تمنحها مؤسسة ساويرس بشكل سنوي وقيمتها مئة ألف جنيه مصري، ما يعادل عشرين ألف دولار. وهي مناسبة لأن نستعيد الورداني قاصا وروائيا خاصة أنه من كتاب جيل السبعينيات الذي وقع عليهم ظلم كبير. وكانت آخر روايات الورداني اللافتة هي ‘ أوان القطاف’ الصادرة عن سلسلة ‘ روايات الهلال’ وقد أثارت العديد من الاسئلة حول علاقة الماضي بالحاضر، لا سيما اذا اعتمد السرد الروائي على القطع الذي لا يتوقف، ولا يقيم معيارا للزمن المنطقي الذي يسير في اتجاه واحد، لذلك فان الانتقالات التي حققها الزمن في الرواية مثير للاندهاش، هذا الى جانب اعتماد الرواية على اقنوم الفعل الدموي الذبح الذي يتم مرات عديدة تحت مقصلة القمع والقهر بصوره المتعددة والمتشعبة، ويتم مرات اخرى بطريقة قدرية، لا تحمل دلالة مباشرة على النحو الذي تبدأ به الرواية بقطع رأس الرواي نفسه الذي يمتطى سطح القطار فيقوم احد الكباري بجز رأسه، الذي يظل معلقا على هذا النحو، ليكون هو العين الراصدة لما يحدث حولها. وكأن الراوي اراد ان يتحول من المناخ الأرضي الذي تكبله اعتبارات كثيرة لميتافيزيقا الموت الذي يحقق ـ بخصوصيته ورعبه ـ أعلى درجات الحرية للروح المعلقة اعلى الكوبري.
هذا الأمر يتساوق مع اقنوم تغيير الرؤوس الذي يبدو امرا عاديا في المدينة، وكأن الفعل المديني نفسه، حول الرأس الانساني الى رأس ميكانيكي يسري عليه ما يسري على الآلة في ابشع صورها.
يحاول الورداني في كل الحالات ان يكون على مستوى الصدمة المروعة التي تلقاها الحلم الانساني في الخارطة العربية الممتدة بين مصر والعراق والخليج والسعودية كرموز للحاضر، وبين رأس الحسين الذي يمتد جسرا الى الماضي.. بجهامته وكابوسيته ايضا.
ان الورداني يقول ان الرحلة ممتدة والخيط الاسود ما زالا يكللان الخطوات، والراوي يرصد بحياد تام، لا يبدي رأيا ولا ينحاز، انه يتعامل مع لغة ناعمة كالموسى، تقطع وتجز دون ان تجرح. نصل الورداني شبيهه تماما.
حول ما يثيره عالم ‘ أوان القطاف’ كمحصلة مهمة في مشوار الورداني يدور هذا الحوار فقد تحدث الورداني ـ باستفاضة ـ حول روايته وحول ابعاد كتابتها وخلفيته، وكذلك تحدث عن الكتابة الجديدة في مصر، وكذلك تناول المنجز السبعيني ثم الستيني كما تناول موقفه من المؤسسة الثقافية. وهنا الحوار: * تثير روايتك الجديدة، اول ما تثير، علاقتك بالتراث والفولكلور فـ ‘ أوان القطاف’ تقع بشكل ما في اسر التاريخ.. ما هي ابعاد عملية الترميز والاقنعة في هذا السياق وكيف ترى علاقتك بالماضي؟* اتذكر انني توقفت فترة طويلة قبل ان اكتب روايتي ‘ رائحة البرتقال’ عام 1992 كنت قد احسست انني وصلت الى طريق مسدود ولم يعد ممكنا ان اتقدم خطوة واحدة، فالجمل مصمتة بل والخيال مغلق تماما، ثم حدث بالمصادفة البحتة ان قرأت سيرة حمزة البهلوان ومن بعدها اصبحت مفتونا بالسير الشعبية، فقرأت ايضا الى جانب اغلب السير المتاحة ‘ الف ليلة وليلة’. لحظتها انفتحت الدنيا، ولم اعد قادرا على ملاحقة هذا التدفق من الخيال الباذخ والفاحش الثراء، فالسير ابنة الخيال الشعبي الذي لا تحده اية حدود والعيارون يكادون يكونون ابطالا شأنهم شأن الفرسان. وفي الظاهر بيبرس على سبيل المثال نجد ان الملك الظاهر هو الوحيد الذي توقف الشعب المصري ليعيد صياغة سيرته على النحو الذي يرضاه.
لا تصبح هناك خرافات او خوارق او عجائبية بل واقع حقيقي عليك ان تستسلم له وتعشقه. لا اريد ان استطرد كثيرا في السير الشعبية لكنها الطريق الذي قادني لكتابة ‘ رائحة البرتقال’ بل وأدين لها بإدراك ان المخيلة هي الواقع في زمننا. حتى ذلك الوقت لم اكن قد عكفت بشكل معقول على قراءة التراث ففتحت لي السير الطريق للسير في هذا الخضم الذي كان مزعجا لي ايما إزعاج، لان مجايلي كان اهتمامهم ينصرف الى مواجهة الهم الاجتماعي والسياسي. لا اعتقد انني تجاوزت الالمام بالتراث وفكرتي عنه ما زلت اعتبرها غامضة الى حد ما وان كنت اسعى جاهدا للملمته. هذا عن علاقتي بالتراث لكنني اود ان اضيف هنا انني امقت بشدة فكرة الترميز والاقنعة على النحو الذي قد تجده مثلا في بعض روايات نجيب محفوظ واستثني عمله الشامخ حقا ‘ الحرافيش’، لكنني لا استطيع ان افهم كيف يمكن ان يستدعي الكاتب شخصية من التاريخ او التراث ويسقط عليها الواقع الحالي كما لا افهم كيف يمكن ان تستعير قناعا وتتحدث من خلاله عن واقعك المعاصر. المهم انك ككاتب من المفترض ان تكون ابنا لكل ما سبقك شئت ام ابيت انت لا تذهب للتاريخ ولا تستدعيه، بل انت على نحو او آخر ابن له. في اعماقك هذه الشخصيات المصرية القديمة، والقبطية والاسلامية، حتى لو لم تكن مدركا لذلك. هذا اذا كنت الكاتب الذي اتصوره. لا اقنعة، لا ترميز بل امتلاء بالماضي وفي نفس الوقت قدرة على تجاوزه.* كيف اخذتك سرودك المتقطعة هذه بين الوجوه الكالحة والرؤوس المقطوعة؟ هل تحاول التدليل على عنف اللحظة وتشير الى المسافة بين المأمول على المستوى السياسي ولحظات انقضاء الحلم؟* الحقيقة انني في البداية لم اكن متأكدا من انني سأكتب رواية، بل كنت غير قادر على استيعاب ما يجري. لقد هزمت كل الاحلام ولم اكن مستعدا للندب والصراخ وكشف الشعر على نحو ما تفعل النساء. كنت مذهولا بطبيعة الحال من هول ما يجري واردت ان اكتب كتابا اتجول فيه هنا وهناك. وانبثقت فكرة الذبح على نحو مفاجئ ربما كان هو الحل الذي ابحث عنه. والذبح، اصدقك القول، لم يكن رمزيا على الاطلاق، بل هو معنى حقيقي يتضمن الجز والانهاء والتوحش، وكنت قد انتهيت من فكرة الشهيد/ المثقف، او ان الحسين شهيد مثقف او حتى شهدي عطية او شاكر، لم يتبادر الى ذهني ولو للحظة واحدة ان ايا منهم معادل للآخر او انني مهموم بمعنى المثقف وما آل اليه على الرغم من اننا رأينا ملاحم من سقوط المثقف وتمرغه في الوحل. عندما كنت اكتب، كنت اكتب، عن الحسين الذي ذبح، والولد الذي ذبح في المظاهرة وشاكر الذي ذبح اثناء عاصفة الصحراء الاولى وشهدي الذي ذبح في سجون عبد الناصر وهكذا ان اقنوم الذبح كان هو المهيمن على النص الذي لم يكن قد تشكل ـ كما قلت لك ـ كرواية بل ككتاب، عن القمع، بشكله الفاضح الذبح نموذجا، والذي ساد لقرون طويلة وما زال سائدا. اود ان اؤكد ان الذبح هنا ليس وسيلة وليس استعارة وليس مجازا بل هو حقيقة ملموسة تتكرر بلا توقف.
انتقل الى الجزء التالي من سؤالك وهو العلاقة التي تربط بين لحظة السياسة ولحظة انقضاء الحلم فأنا ابن الحركة الوطنية التي اندلعت في السبعينيات وابن لهذا الغضب النبيل الذي كان الرد الوحيد على كارثة 1967 وشأني شأن كثيرين من ابناء جيلي شعرنا ان الهم السياسي والاجتماعي لا فكاك منه مطلقا بلا اي بطولة او احساس بأنني مخلص مثلا او اضحي او اطارد وادخل السجن وتضطرب كل حياتي من أجل قضية. كل ما في الامر انني لم استطع الفكاك من هذا الهم استمرت هذه الفترة عدة سنوات وسرقت مني ككاتب الكثير واضافت لي الكثير، وقرأت اطنانا من الكتب السياسية التي كان ممكنا الا التفت اليها لو لم اكن مشتغلا بالسياسة. اود ان اكرر مرة اخرى انني لم اشعر بدوري كمثقف يسعى لتخليص الجماهير من وعيها الزائف مثلا، كل ما في الأمر ببساطة ان هذا كان يعني الشرف كمواطن والسعي نحو مواجهة ازمتي الشخصية في مجتمع قامع ومعاد للفرح الانساني. هكذا بكل بساطة. لذلك كانت لحظة سقوط كل هذه الاقلام فادحة وصاعقة، على الرغم من انها لم تحدث فجأة وكنت امنع نفسي بالقوة من مواجهة بدايات التفسخ التي استشعرتها واحسست بها وكأنها ليست مظاهر من اخطائنا وخطايانا بل بوصفها قوة قاهرة تتجاوز ارادة المجموع.
اذا كنت اذكر لك هذا في جمل الا ان ما جرى لي علي نحو شخصي كان ثمنه فادحا الى اقصى حد، فلم تعد هناك قيمة او معنى واحد انحزت له الا وصدمت فيه بعنف. بالطبع لم تتخذ المسألة شكل الندب والصراخ، بل تجرع الهزيمة على مهل والامتلاء بها، ومحاولة تأملها، لذلك اود ان اذكرك أنني قبل ‘ اوان القطاف’ كنت قد كتبت روايتين شكلتا بدايات عبوري من الكتابة التي تعلي من شأن السياسي والاجتماعي الى كتابة اكثر انصياعا وانقيادا لما تسفر عنه الكتابة ذاتها، اي تأمل التجربة ليس من اجل استخلاص العبر مثلا بل مجرد التأمل، ولتترك نفسك مستعدا لنتائج هذا التأمل ايا كانت، بعيدا عن الخضوع لمنهج او تصنيف ما او مدرسة او تيار الخ. بطبيعة الحال لا ادعي مطلقا انني اؤسس لمنهج او تيار او مدرسة، بل مجرد محاولة للاكتشاف وما يتمخض عنه، هذ الاكتشاف من نتائج.* حدثني عن مفردة الذبح هذا الاقنوم الذي شكل الكثير في عالم الرواية، وهذا التجاور الذي يسير افقيا بسرودك الى لحظة مركزية؟* اعود الى ما كنت قد ذكرته لك من قبل، لم ابدأ الكتابة بوصفها رواية، بل كتابة عن الذبح بقسوة وفظاظة وكان المجال مفتوحا امامي للمزيد من الاختيارات بلا اي اقنعة او ترميز او استدعاء من التاريخ. اكاد اقول انني لم اختر هذه الشخصيات، وفرضت نفسها فرضا علي، كنت اتوقف بين الحين والاخر واتذكر.
اقول لك هذا بصدق شديد ـ ان الحسين مثلا شخصية تاريخية او ان شهدي شخصية تاريخية معاصرة، وسرعان ما انسى ذلك لتهيمن على مشاهد الذبح وحدها ولا تنس ان الرواية بدأت بشخص عادي جدا يستعد للراحة، فيطيح الجسر الحديدي برأسه وهو يعتلي سطح القطار. من الطبيعي ان ينحاز بعض اصدقائي لشهداء اليوم، وينحاز البعض الاخر لما اسميتهم بشهداء الماضي، الا انني كنت منقادا للرواية التي كانت قد بدأت تتشكل كعمل روائي. واكرر مرة اخرى ان المذبوحين القدامى ليسوا قناعا ولا رمزا بل هم حالات واقعية تماما، بل ان الرجل الذي يغير رأسه، شأن كل ابناء المدينة، على نحو دوري، ليس رمزا للمستقبل مثلا، انظر اليهم جميعا باعتبارهم مذبوحين من اجل كلمة واحدة رفضوا ان يقولوها او من اجل قضية نذروا حياتهم لها، او بفعل مستقبل لا يمكن الاطمئنان له في حالة الرجل الذي يغير رأسه.
تحول اقنوم الذبح لديّ اثناء الكتابة الى بؤرة مركزية تتقاطع حولها كل المصائر والمعاني، وكان عليّ ان ابذل اقصى ما في وسعي من اجل النجاة من الغنائية والعاطفية والامساك بعالم بدا امامي متشفيا منفجرا الى وحدات متناثرة ووسط هذه الفوضى كان عليك ان تحكم بناءك وتشيده حجرا فوق حجر.
الحسين والعائد من الخليج، وشاكر في حرب الخليج وغيرهم.. كيف تستطيع ان تصوغ من كل هذا بناء محكما، وكيف تقمع رغبتك في الانسياق وراء هذه الشخصية او تلك وكيف تقمع رغبتك في الانحياز لهم لانهم ليسوا محتاجين لانحيازك اصلا، فعلى سبيل المثال كتبت الشخصية الاولى وهي الحسين على نحو افقي، وبدأت في الشخصية الثانية على نفس النحو ثم توقفت واحسست بالخلل، وكنت من قبل قد كتبت عددا من المشاهد المتناثرة بلا ترتيب في محاولة لاستكشاف ما كنت افكر فيه. كل هذا الركام دفعني لاعادة النظر. اذا كان العالم متشفيا بطبيعته فكيف اقسره وألوي عنقه واسرد افقيا. وقلت لأجرّب سردا آخر وتركت نفسي، بلا اي ترتيب، فالحسين في البداية وشهدي عطية قبل النهاية والاحداث التي تجري في المستقبل جاءت في المنتصف. وهكذا، وجدت طريقي الذي كنت ابحث عنه لا هندسة ولا تتابع تاريخيا ولا شخصيات تعبر عن رموز واقنعة بل السير الهادئ المحكم وراء اقنوم الذبح.* كيف ترى دلالات تغيير الرأس؟ هل هي رديف الرغبة في نسيان الماضي، ام هي رديف الخروج من التاريخ، ام انها اقنوم يمكن من خلاله قول ما وراء الخطاب ام انها كل هذا مجتمعا؟ * مثلما قلت من قبل ان التاريخ ليس قناعا ارتديه وقتما اشاء والمستقبل ايضا ليس قناعا ارتديه وقتما اشاء. واذا تقبل القارىء كل هذه المذبحة المنصوبة فلا بد ان يتقبل هذا المستقبل باعتباره واقعا. فنحن نفقد رؤوسنا كل يوم وربما كل لحظة ويجري تزييف وعينا بالكامل كل لحظة وهي ليست معاني او افكارا بل هي واقع. منذ فترة قصيرة جدا كان هناك معنى للنبل والعطاء والفرح والقيمة ثم انقلب كل هذا في عملية ذبح طالت الجميع لذلك فالدلالات التي تشير اليها هي مجتمعة صحيحة الى هذا الحد او ذاك لكنني اريد فقط توضيح انها ليست رمزا وليست تشاؤما من المستقبل.
أليس خضوعنا لعملية التزييف الكبرى المقامة ذبحا بالمعنى غير المجازي؟ ربما، وهذا ما اكتشفه الان من خلال السؤال. كنت مدفوعا لاستكمال هذه المسيرة الضخمة الطويلة من الذبح وربما كانت تنويعة انجذبت اليها وانا اجرب كل ألحان الذبح. ان تغيير الرؤوس الذي يخضع له كل سكان المدينة امر واقعي تماما. البشر موظفون ويتزوج الرجل امرأة وقد يخونها وينجب ويربي اطفالا ويعيش حياة عادية تماما، كل ما في الامر انه يتوجه للمستشفى كل بضع سنوات ليتم ذبحه وتغيير الديسكات التالفة والمصابة بـديسكات اخرى جديدة وتركيب قطع غيار جديدة لما تم استهلاكه داخل مخه. هو نوع من الذبح يجري يوميا الان وليس في المستقبل.* تبدو لديك ملامح الكتابة شديدة القرب من ملامح الكتابة الجديدة في مصر مثل الاقتصاد في استخدامات اللغة والحياد والسرود الجزئية.. كيف تفسر هذا التقارب وكيف ترى المشهد في جملته؟* مع اعزازي لاصدقائي من الكتاب الجدد الذين ينحون هذا النحو الا انني اختلف معهم بشدة. اولا هذه الملامح مثل الاقتصاد في استخدامات اللغة والحياد والابتعاد عن التوشية كلها ملامح تستطيع ان تجدها واضحة في كل ما كتبته منذ مجموعتي الاولى، ‘ السير في الحديقة ليلا’، وسوف تجد بعضها ايضا موجودا على هذا النحو او ذاك لدى كتاب الستينيات بل سوف تجد هذه الكتابة موجودة في التراث الروائي في العالم. فهل فلوبير او همينغواي او حتى كافكا لهم علاقة بأصدقائي من الكتاب الجدد؟
هناك تيارات واساليب وخطابات تكمن وراء هذه الاساليب لا ترى الكتابة بوصفها صراعا مع اللغة وتحرص على النجاة من مزالق الغنائية والفجاجة العاطفية وانا انتمي لهذه التيارات، اي ان هذا الشكل من الكتابة يمكن تأصيله منذ بدايات الرواية الحديثة ثم بعد ذلك في الرواية العربية ولا تنسَ ان محفوظ على سبيل المثال له عدة اعمال جميلة حقا ونجت مع ذلك من مزالق العاطفية والولع المفرط باللغة من حيث هي لغة موشاة مثقلة بألوان البديع وقعقعة الالفاظ.
ثانيا اظن ان الكتاب الجدد لا ينحازون إلى هذا التيار على النحو الذي انحاز انا له فهم يرون مثلا ان هذه الحيادية تعبير عن سقوط الايديولوجيا ويتخذونها وسيلة لكشف سقوط كل الدلالات وتعبيرا عن خواء العالم وقبحه وما الى ذلك. ومع تقديري لكتاباتهم الا ان هذه الملامح من الاقتصاد والحياد والبعد عن الغنائية ليست وسيلة لتوصيل رسالة او معنى بل هي اختيار فني وانحياز لرؤية في الكتابة. اود ان اوضح انك لا تلجأ إلى أسلوب سردي لمجرد انه ملائم لخطابك حتى لو ادعوا انهم لا يحملون اي خطاب، بل تلجأ إليه لانك تستطيع التعبير من خلاله على نحو يتيح لك ان تكون اكثر عريا لانك لا تستخدم قعقعات اللغة مثلا للتعبير عن هذه الشخصية او تلك. انت تستعمل العادي والمتاح الذي يبدو بالغ البساطة في الظاهر. انت عار امام الكتابة ولا تستند الى العاطفية او الغنائية ولا تنحاز لهذا البطل او ذاك. انت تستند إلى العادي وهنا يكمن التحدي الحقيقي امام الكتابة بمعنى كيف يجرؤ كاتب على القول مثلا ان محمدا حزين؟ هذه جرأة وبلاهة معا. الحزن ليس صفة او حالة. انه سلوك، انه طريقة في الجلوس على المقعد او تناول كوب الشاي.
لذلك هذه الملامح التي اشرت اليها هي من ناحية جزء من تقنياتي التي درجت عليها وشكلت اسلوبا لها، ومن ناحية اخرى هي ليست وسيلة لخطاب يكمن وراءها.* جيلك الوسط السبعيني بشكل اوضح، كيف تراه وهو موزع بين الستينيات الباذخة والكتابة اللاحقة، هل تعتقد ان ثمة وجودا لهذا الجيل؟* اشعر بالصداع من كثرة ترديد كلمة جيل بل واصاب بالذهول من ان هناك وطنا قادرا على انجاب جيل كتابي كل عقد من السنين وهناك عقد ستينيات وسبعينيات وثمانينيات واخيرا تسعينيات. هذا خطل وبلاهة ما بعدها بلاهة. الشيء المؤكد ان مصر وغيرها من الاقطار العربية وربما في العالم حدثت فيها خلال عقد الستينيات ما يشبه الثورة الفكرية والسلوكية والانقلاب على الحاضر ورفض الكذب والزيف الذي ترددت اصداؤه فيما عُرف بثورة الشباب في العالم. وجاءت هزيمة 1967 على العرب لتجهز على البقية الباقية من الانصياع للسائد والراسخ. واذا كان كتاب الستينيات قد قدموا الانجاز الاساسي في الكتابة الجديدة فلا ننسى ان نجيب محفوظ ويوسف ادريس على سبيل المثال قد أسهما بقدر وآخر في الكتابات الجديدة ولم يسانداها موضوعيا فقط، بل انجزا اسهاما رئيسيا فيها مجموعة ‘ تحت المظلة’ لمحفوظ و’ بيت من لحم’ لادريس.
كتابة جيل الستينيات لم تكن في الرواية مطلقة بل كانت في القصة والشعر والسينما والفن التشكيلي والموجات التي تلت هذا الانقلاب الاساسي لا يعيبها انها موجات تستجيب للتقاليد التي ارساها جيل الستينيات لان آثار هذه الحقبة ما زالت ممتدة وتتردد اصداؤها، ومن الطبيعي ان تخفت هذه الموجة او تلك ومن الطبيعي ايضا الا نخطئ ونقول جيل السبعينيات او الثمانينيات الى آخره، لان بعض من جاء بعد الستينيات من الكتاب الجدد اضاف للمشهد الكتابي وأغناه وطوره وتجاوزه الى هذا الحد او ذاك.
لا داعي لتحويل انجاز الستينيات الى صنم نتوجه اليه ونتغنى بأمجاده ولكننا في نفس الوقت نعترف بالانقلاب العميق الذي احدثه والجسارة والمغامرة بلا حدود اللذين ميزا كتابتهم. من ناحية ما زال هناك كتاب ستينيون يكتبون ويقدمون الانجاز تلو الانجاز وما زالت الاجيال التالية تضيف مخلصة للجسارة والمغامرة والاجتراء.
غير ان كتاب الستينيات ما زالوا مخلصين لكونهم جيلا ويتعاملون مع الجميع بوصفهم جيلا، وما زالوا في مواقع مؤثرة بحيث تتركز البؤرة حولهم. ولان هناك خللا في حياتنا الثقافية والسياسية عموما فان الطرق بدت مسدودة الى هذا الحد او ذاك امام الاجيال التالية. كما ان التدهور الشديد الذي اصاب الواقع الثقافي في العقود التالية وأرسي قيم العلاقات العامة والمصالح الصغيرة والمجاملات عابرة الاقطار وربما القارات. كل هذا أسهم في اختلال لم يعد من السهل اختراقه وعلى الكتابة الجيدة التي تؤمن بأن دورها يتجاوز هذه المصالح الوقتية ان تظل وفية لهذا التجاوز.* كيف ترى دور المؤسسة الثقافية في مصر في علاقتها بالابداع، ثم في ترويجها لما يسمى بمشروعها الثقافي.. هل ما زالت تنعقد اهمية ما على مثل هذا الدور.. ؟ وكيف ترى اداء المؤسسة في هذا الاتجاه؟* المؤسسة الثقافية شأنها شأن باقي المؤسسات تعاني من العجز والهرم وتصلب الشرايين، وتعتمد نفس الاساليب التي تعتمدها بقية المؤسسات مثل ادعاء الصمم احيانا او القمع احيانا او الزجر احيانا ثالثة. ربما تسمع بين الحين والآخر بهامش صغير مادي او معنوي الا انها عاجزة في كل الاحوال عن الاستجابة لأي مشروع حقيقي او انجاز ملموس بكثير جدا من الاطمئنان تستطيع ان تتلفت حولك فتجد ثقافة المهرجانات والمؤتمرات وتشييد المباني الفارغة من المضمون والضجيج حول مشروعات وهمية تماما والتغني بقدرة المؤسسة على احتواء الابداع والمثقفين. ان هذا كله صحيح لكن الاكثر فجيعة هو موقف المثقفين انفسهم واستجابتهم لهذه السياسات والاساليب. اود ان استدرك بسرعة شديدة لاقول انني لا ازعم من الفرقة الناجية وأدعي موقفا تطهريا من هذا السيرك المنصوب. نحن في موقف لا نحسد عليه جميعا. لا استثني احدا. المستفيدون المباشرون المتكسبون وكذلك من هم في ذيل القائمة والذين يسعون إلى تجنب سيرك المؤسسة الثقافية قدر الامكان.