تحليلات غربية: اعتراف متأخر من النظام العربي بالمشكلة.. والانترنت لا تصنع ثورات لكن السياسة والشوق للحرية

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’: هل كانت الثورة التونسية نتاجا للحملات التي قام بها مدونون وناشطون على الانترنت وتويتر او ويكليكس، أم انها حركة سياسية لها جذورها في واقع القمع التونسي لنظام بن علي؟ وان كانت الثورة الشعبية بهذه الصفة، فهل عليها مواصلة الاحتجاج ام التقدم نحو السلطة؟ اسئلة وأخرى طرحها كتاب وصحافيون في الصحافة البريطانية. ففي مقال له استخلص المعلق تيموتي غارتون أش في ‘الغارديان’ ان الانترنت ليس من مهمتها تحرير الناس. وعلق آش على تصريحات العقيد معمر القذافي ان التونسيين خدعوا بوثائق ويكيليكس التي فضحت نظام بلادهم، وأشار الى الثورة بأنها ثورة الكلينكس، أي ويكيليكس. وكانت تصريحات القذافي مفتاحا للتساؤل عن دور الانترنت والشبكات الاجتماعية والهواتف النقالة في تحفيز الثورات الشعبية. ومن هنا هل هناك أي مبرر مقنع يجعلنا نقبل بوصف الثورة التونسية بأنها ثورة تويتر او ويكيليكس رغم أنها وصفت بـ’ثورة الياسمين’ في بعض المصادر والمحافل الاعلامية. ولكن الكاتب يشكك في امكانية التكنولوجيا الحديثة وحدها إحداث التغيير، مشيرا الى كتاب نشره ناشط بيلاروسي اسمه ايفنغي مورزوف تحت عنوان ‘وهم الانترنت’ وهو كتاب دفع للطباعة قبل الثورة التونسية. يحاول مورزوف في كتابه نقض الإدعاء الذي يقدم التكنولوجيا الحديثة على أنها طريق للحرية. ويشير الكاتب آش الى أن الأمريكيين لديهم شغف بهذه التصنيفات متذكرا مقالا عندما اختراع الفاكس جاء فيه ‘الفاكس سيفتح لك طريق الحرية’. ويرى موزورف أن الحديث عن الدور الذي لعبه تويتر والهواتف النقالة فيما عرف بالثورة الخضراء في ايران عقب انتخابات عام 2009 مبالغ فيها لأن التكنولوجيا الحديثة، حسبه، ليست بالضرورة وسائل للحرية بل قد تتحول لأداة في يد الطغاة من أجل المراقبة وإيقاع الناشطين في الطعم ومحاكمة المعارضة. ويعتقد موزورف أن الانترنت وما يتصل بها من التكنولوجيا الحديثة لا تعطل عمل السياسة التقليدية ووسائلها، فالأخيرة، كما قال، هي التي تحدد مسار الأحداث في النهاية، كما حدث في تونس أو كما حدث مع موزورف وهو مدون وناشط سياسي في بيلاروس. ويرى آش في تحليل لمواقف موزروف التصحيحية في الثورة التونسية مجالا للنظر في دور الانترنت التي لعبت بالتأكيد دورا في الحشد ونشر الأخبار عن انتحار الشاب التونسي محمد البوعزيزي بحرق نفسه، خاصة ان نسبة 18 في المئة من التونسيين هم على الشبكة الاجتماعية أو فيسبوك. ويتحدث الكاتب عن تعامل التونسيين مع الانترنت خاصة المتعلمين منهم فيما يشاهد التونسيون، نسبة النصف منهم الفضائيات خاصة الجزيرة. ويضيف أن المغاربة في معظمهم لهم صفحات على فيسبوك حيث استبدل غالبيتهم صورهم بصورة العلم التونسي وهو ما حدث في مصر أيضا. إذ عبّر المغاربة وغيرهم من العرب عن فرحتهم بسقوط ديكتاتورية تحكم تونس منذ أكثر من نصف قرن. وتظل نسبة من يتعاملون من التكنولوجيا الحديثة قليلة. ولم يفت الكاتب الحديث عن اجراءات النظام التونسي في مواجهة قوة التكنولوجيا الحديثة عندما قام بن علي بحظر الانترنت وعطل شبكات التواصل الاجتماعي وألقى القبض على المدونين منهم سليم عمامو الذي أُعطي وزارة صغيرة في الحكومة المؤقتة. وعليه يعزز الموقف التونسي موقف موزروف من أن الانترنت هي سلاح ذو حدين. ورغم أن أحدا لا يعرف المستقبل إلا أن الثورة التونسية تمثل تطورا أصيلا بدأ من داخل البلاد وليس بدعم خارجي من الدول الغربية وحدثت تطورات بطريقة سريعة وهو أمر مفرح. ويعود الكاتب للتأكيد أن التطور في مجال الاتصالات أعان على نجاح الثورة ولم تتسبب الاتصالات بها. ويقول ان تونس كدولة صغيرة منسجمة سكانيا وبنخبتها المتعلمة وحتى الآن معتدلة ومسالمة، قد تتحول بعودة الإسلاميين المنفيين الى حجر أساس للتغيير في المنطقة. وإذا نجحت فالانترنت والساتلايت سيقومان بنقل الأخبار السعيدة من تونس. ويعود لموزروف أن الانترنت قد تتحول كوسيلة قمع بيد الطغاة واحتجاج بيد المظلومين، ولكن ليس على نفس المستوى. ولكن موزروف محق في حالة تحول شركات الانترنت التي تقودها الشركات الأمريكية الى أداة لتقييد الحريات عليها خاصة أن معظمها لديه علاقات جيدة مع الحكومة الأمريكية أو بدأ علاقات. وسيؤدي هذا بالحكومات الشمولية الى البحث عن طرق لرقابة الوسائط الإعلامية الجديدة تماما كما فعلت الصين في ‘بايدو’ بدلا من غوغل. ويرى في النهاية أن أمريكا ليست متساوقة هي الأخرى في مدخلها حول حرية المعلومات. فهي من ناحية تشجب قمع الصين وإيران للمعارضين وفي نفس الوقت تقوم بنفس الشيء مع من تعتقد أنهم خطر على الأمن القومي. وبالعودة لتونس يجب القول ان تسريبات ويكيليكس زادت الى الكيل الطافح حول تصرفات بن علي وزمرته. لكن التونسيين لم يكونوا بحاجة لمن يخبرهم عن فساد الرئيس وحاشيته. ويدعو الكاتب أخيرا وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون الى شكر ويكيليكس، أو ‘الكلينكس’ حسب القذافي، خاصة ان كلينتون قالت ان أمريكا هي التي أقامت بنية دولية من أجل حرية المعلومات وتبادلها، مما يعني أنها أقامت الأرضية لولادة الحرية في تونس.

وفي اتجاه آخر تناول اندرياس ويتمان في صحيفة ‘الاندبندنت’ الثورة المنظمة التي لا قائد لها، مشبها الثورة التونسية بنظرية قدمها باحثان حول ‘قنديل والعنكبوت’: فقنديل البحر لا دماغ له ولو قطع رأسه فسينمو آخر بدله، ولكن لديه جهاز استشعار معقدا. ففي حالة تونس قصة العنكبوت والقنديل واضحة لأن الرصاص وقمع الشرطة المتظاهرين لم يوقفا الثورة، فيما تهاوى نظام بن علي عندما قطع رأس العنكبوت. ويلاحظ انه مع استمرار الثورة وتحقيق حلمها بهزيمة الديكتاتور، إلا أنها حققت ما حققت بدون قيادة. ويحاول الكاتب البحث عن قائد لها لكنه لم يعثر على واحد. ويطرح الكثير من الأسئلة عن بعدها الايديولوجي ومركز إدارتها بدون أن يعثر على إجابة. ولكن ما حدث في الثورة التونسية انها نتاج لثورة المعلومات، أو الإعلام البديل عن الإعلام الرسمي المنشغل أبدا بتقديس صورة الرئيس. وعليه يقول ان الثورة بحسب التونسيين هي ثورة فيسبوك، فبينما كان الشبان يتظاهرون في النهار كانوا يواصلون العمل في الليل أمام شاشات الكمبيوتر من أجل تنظيم فعاليات اليوم الثاني. وهنا يقول الكاتب ان الثورات الاجتماعية لا تقوم على افتراض أنها لن تعمل بدون أدواتها ـ في الحالة التونسية كمبيوتر وموبايل ـ فالحركات ما قبل الثورة التكنولوجية طورت أدواتها مستشهدا بحركة الكويكرز (بريطانيا) والمخمورين المجهولين (امريكا ـ 1935) والتي تدعو الى التوقف عن الشراب كشرط من شروطها. وفي الحالتين لا أحد يقوم بإدارتها ولكنهما تعملان منذ ظهورهما بفعالية ونشاط. وفي محاولة لمقارنة الثورة التونسية بحزب الشاي الامريكي الذي لا قيادة له، يتساءل الكاتب عن قدرة الثورة التونسية على الاحتفاظ بصفتها كجماعة احتجاج أم عليها البحث عن موقع في السلطة. وبعبارة أخرى هل تتحول مثل العنكبوت الذي يمد اجنحته الثمانية برأس واحد حول الصيد وحالة قطع رأسه يتهاوى البناء. ويعتقد أن نظام بن علي كان مثل العنكبوت، فعندما قطع رأس النظام، أي الرئيس، طار كل شيء. وعليه فحكاية تونس اليوم هي عن ‘قنديل البحر والعنكبوت’. ومهما يكن الأمر فثورة تونس أحدثت صدى في العالم العربي.

اعتراف متأخر وعلقت ‘اندبندنت’ على القمة الاقتصادية للدول العربية في شرم الشيخ فقالت ان ما حدث في تونس سمع بشكل واضح بين الرؤساء العرب الذين حذرهم عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية من آثار الثورة التونسية. وقالت ان مصير تونس ليس الأمر الوحيد الذي يقلق القادة العرب بل مصيرهم أيضا. وتعتقد الصحيفة أن الاهتمام الرسمي العربي، وإن جاء متأخرا، إلا أنه اعتراف بحجم الأزمة في داخل الدول العربية التي تعاني من نسب بطالة مرتفعة واقتصادات فاشلة لا تفي باحتياجات شعوب شابة.

ورغم أنها تقول ان لا أحد يعرف ما ستؤول إليه الثورة التونسية، إلا أن الشيء الوحيد المؤكد هو أن حالة اللايقين التي أصابت دولة خرجت من حدودها لتؤثر على بقية الدول.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية