دمشق – من تهامة الجندي: ‘خطوات السعادة الصغيرة’ عنوان مغر لعرض إيمائي جميل قدّمه مؤخرا الفنان فيليب بيزو على مسرح دار الأوبرا في دمشق بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي، والفنان من مواليد بوردو عام 1954، وهو ممثل وكاتب ومخرجٌ عروضه، يمارس مهنته منذ قرابة الثلاثين عاماً، جاب بفنه القارات الخمس، وأقام ورش عمل، وأسس بعض المعاهد التعليمية، نال الجائزة الأولى في مهرجان التمثيل الإيمائي بباريس عام 1974، وحاز على الجائزة الأولى لمهرجان المسرح العالمي في تشيلي عام 2003، من أعماله: ‘فن الهروب’ عام 1995، و’شظايا’ عام 2007. ويقول بيزو: ‘بفضل فني أستطيع أن أمثّل في كل مكان متحرراً من حواجز اللغة، فالتمثيل الإيمائي هو فن الاعتراف والتقارب، قدّمت عروضاً على مسارح العالم، كذلك على أكوام النفايات في لاباز وفي أطلال بيروت وفي أحياء مادراس الفقيرة’. خلال عرضه ‘خطوات السعادة الصغيرة’ الذي كان قد أنجزه في حلته الأولى قبل قرابة عقدين، قدّم بيزو لجمهوره السوري باقة منوعة من المشاهد الإيمائية القصيرة، يحمل كل منها قصة وشخصية وعنوانا مؤلفا من كلمة واحدة على الأغلب، من مثال: الانفصال، صيد، انتظار العاشق، الشاطئ وإطار، كما قدّم مشهدا خاصا بذوي الاحتياجات الخاصة بلغتهم الإشارية، وفي الختام أبدى رغبته في ارتجال بعض المشاهد، وطلب من الجمهور أن يختار له موضوعاتها، فكانت لوحات: الولادة والكاوبوي والكحولي، التي أبدى من خلالها حضور بديهة مدهشا، لكنه اعتذر عن ارتجال لوحة الدكتاتور. أغلب مشاهد العرض اعتمدت في بنائها على كوميديا الموقف وحركة الممثل الانسيابية الرشيقة، فجاءت صامتة تماما بلا موسيقى أو مؤثرات صوت وضوء، من مثال الرجل المخمور الذي يدخل بيته بشق الأنفس، ويستلقي على فراشه، ليكتشف وجود رجل غريب مع زوجته، فيعتذر منه ويصافحه ويرحل، أو من مثال الجنين الذي يصرّ على الخروج من رحم أمه قبل أوانه، ولكن ما إن يطل برأسه حتى يُصاب بالذعر ويقرر العودة، وحين لا يستطيع يشنق نفسه، وكانت بلاغة جسد بيزو في توليف التركيب الحركي المعني باشتراط الدلالة، كانت وحدها كافية لشحذ مخيلة المتلقي، والتواصل معه، وإيصال ما يصبو إليه.
إلى جانب الكوميديا قدّم بيزو ثلاث لوحات حزينة، وهذه جاءت مصحوبة بموسيقى وألوان ضوئية، الأولى افتتحت العرض، وهي تمثّل صراع الإنسان مع قيوده، والثانية ذات طابع رومانسي تحكي قصة عاشق ظلّ يذهب إلى موعده مع الحب منذ شبابه وحتى كهولته دون أن يلتقيه ولو لمرة واحدة، والثالثة تمثّل تقلص الفضاء الذي يعيش ضمنه الكائن حتى يطبق على صدره ويقضي عليه.
قصص وموضوعات متباينة، بعضها يحمل البسمة في تضاعيفه، وبعضها يثير أسئلة فكرية جادة، طرحها بيزو بإحساسه المرهف اتجاه كل إيماءة، وبكامل إيقاعات جسده المطواع بدءا من تعبيرات النظرة وتقاسيم الوجه وحتى حركة القدمين، ليثبت أمام مشاهديه أن الصمت أبلغ من الكلام أحيانا، وأن إشارات الجسد أصدق وأقرب إلى القلب من دلالات اللغة.