إعادة النظر في المسلمات والبحث عن الحياة الحقيقية

حجم الخط
0

فيلم ‘الشبكة الاجتماعية’ أو ‘فيس بوك’: أحمد يوسفللمخرج الأمريكي ديفيد فينشر بصمة خاصة على معظم أفلامه، تنبع من رؤية يندر أن تجدها بين المخرجين الأمريكيين، فهو ينظر إلى الثقافة الأمريكية (بالمعنى الشامل لكلمة ‘ثقافة’) نظرة التشكك والنقد وربما المرارة أيضا. إنك تلحظ هذا بقوة في فيلمه ‘نادي القتال’ (1999)، حيث البطل الذي يعيش حياة أمريكية نموذجية، فمنزله يخرج على الشاشة أمام أعيننا من صفحات مجلات الديكور، مزودا حتى بالمقاييس والأرقام، لكنه يشعر بحالة من الخواء الروحي والعاطفي، ربما لأنه يعيش دائما في خطر أن يفقد كل تلك الرفاهية في لحظة واحدة، فتلك هي إحدى ‘مزايا’ ومخاطر الاقتصاد ‘الحر’. يندفع هذا البطل شيئا فشيئا إلى خلق ‘قرين’ له، في حالة من ازدواجية الشخصية (بالمعنى الفني وبعيدا عن المصطلح العلمي)، وهذا القرين يعوض إحساسه بعدم الأمان وكونه إنسانا ‘عاديا’ في مجتمع غير عادي، أو قل كونه سويا في مجتمع غير سويّ، لذلك ينشئ القرين ناديا يتصارع فيه الأعضاء كأنهم وحوش، تعبيرا مجسدا عن الصراع الاجتماعي الذي يتخفى خلف بريق كلمات مثل الديموقراطية والليبرالية، بل يذهب الأمر بقرين البطل إلى أن يسرق ‘الدهن’ الذي يتخلص منه الأثرياء في عمليات التجميل، ليصنع منه متفجرات يدمر بها ناطحات سحابهم!! كانت هذه الفكرة التي تقول أن المجتمع الأمريكي يدمر نفسه من داخله سببا في حدث غامض، اختفى أثره من على الإنترنيت لاحقا، إذ استدعت المخابرات المركزية الأمريكية ديفيد فينشر بعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، لتسأله عن رأيه فيما إذا كانت الأحداث ناتجة عن ‘إرهاب داخلي’ يشبه ما حدث في ولاية أوكلاهوما منذ سنوات! وفي الجانب الفني، فإن أفلام فينشر تؤسس ـ من وجهة نظر كاتب هذه السطور ـ نوعا جديدا من النمط الفيلمي المعروف باسم ‘فيلم نوار’، حيث يقيم بطل يعمل في الغالب مخبرا خاصا، لكنه كلما مضى في التحقيق في إحدى الجرائم تتكشف له الحقيقة المفزعة: إن العالم والمجتمع من حوله أقسى مما كان يتصور، لذلك تغرق هذه الأفلام في الظلال تجسيدا لهذه الظلمة الروحية. وإنك إن تأملت أفلام فينشر لوجدتها بدورها تغرق في الظلام أيضا، لكن دون ذلك العالم الروائي المصطنع (تأمل على سبيل المثال فيلمه ‘زودياك’- 2007)، فالظلام يخيم على الواقع الذي يعيش فيه المجتمع الأمريكي، تماما كما أن معظم مشاهد فيلمه الأخير ‘الشبكة الاجتماعية’ هي مشاهد داخلية في الليل الأمريكي، الذي يحتشد بصراع تهون إلى جانبه صراعات الوحوش في الغابة.

على السطح من فيلم ‘الشبكة الاجتماعية’ حكاية عن إنشاء موقع الإنترنت الشهير ‘فيس بوك’، الذي يتيح لـ ‘أعضائه’ التواصل، وإن شئت الدقة قل الاتصال وليس التواصل، كما أن كلمة الأعضاء تشير الآن إلى ما يزيد عن نصف مليار من البشر، لكننا سوف نتوقف عند ذلك الأمر لاحقا. الحكاية في سطور تدور عن مارك زوكيربيرج (جيسي آيزينبيرج)، الشاب في جامعة هارفارد، احتل العالم الافتراضي للكومبيوتر كل ذهنه، حتى أنه يخفق في العالم الحقيقي في أن يقيم علاقة ناضجة. إنه ينفصل في افتتاحية الفيلم عن صديقته إيريكا (روني مارا) في مشهد يحمل سخرية مريرة، فهو يبدو عاجزا تماما عن أن يجد موضوعا مشتركا للحديث بينهما، بل إنه لا يعبأ بأن يهينها بشكل غير واعٍ أو مكترث بالنتائج. وحين تتركه وحيدا يعود إلى مدونته الإلكترونية وقد قرر أن يشهر بها، وفي الوقت ذاته تواتيه فكرة إنشاء موقع خاص بطلبة هارفارد، يتيح فيه للطلبة التصويت على الطالبة الأكثر إثارة، ولأنه يحتاج إلى الصور ليضعها على الموقع بسرقتها من موقع الجامعة، فإنه يستعين بصديقه وزميل غرفته إدواردو سافيرين (أندرو جارفيلد) بخبرته في عالم لوجاريتمات الكومبيوتر.

من هذه النقطة سوف تبدأ رحلة الفتيين إلى الهوس بإنشاء موقع يظل يتسع شيئا فشيئا، يمتد من النوادي ذات العلاقة بالجامعة، حتى يصل إلى أن يكون موقعا مفتوحا للعالم كله، ويدر ربحا هائلا من خلال الإعلانات التي تعتمد على تزايد عدد زواره. سوف تتقاطع هذه الرحلة مع محاولات شبان آخرين الدخول في ‘اللعبة’، التي تجمع بين المقامرة و’ البيزينس’ معا، بما يذكرك على الفور بفيلم تليفزيوني يحمل عنوان ‘في وادي السليكون’، ويحكي عن قصة صعود بيل غيتس، لتدرك أنها في الحقيقة (مثل أي ‘بيزينيس’ أمريكي) ليست أبدا ناتجة عن عبقرية مزعومة، بل هي سلسلة متصلة من الخداع والسرقة والدعاوى القانونية بين مجموعة من اللصوص!! هذا هو الأمر مع ‘فيس بوك’، حيث نرى التوأمين كاميرون وتايلر فينكلفوس (قام بدورهما الممثل آرمي هامر في لقطات كومبيوترية لا تشعر لحظة واحدة باصطناعها في الصورة أو الصوت)، اللذين يعرضان على مارك توسيع المشروع وتمويله، وهما بدورهما من طلبة هارفارد القدامى ومن عائلة صاحبة مال ونفوذ، ثم نرى شون ماركر (جوستين تيمبرليك) صاحب ‘نابستر’، أشهر موقع في تحميل المواد البصرية والسمعية المقرصنة من على الإنترنيت، وهو يسحب مارك إلى أرضه، بينما يبعده عن صديقه القديم إدواردو. وهنا يدخل الفيلم إلى ‘شبكة’ بالمعنى الحرفي للكلمة، وكأن شكله يعبر عن مضمونه، ففي الشبكة الإلكترونية (الإنترنت) تجد روابط (لينكات) ترسل بك إحداهما إلى الأخرى في متاهة قد لا تنتهي، أو تعيدك من حيث لا تدري إلى نقطة البداية، وذلك هو البناء الدرامي نفسه الذي يمضي فيه الفيلم: فهناك تحقيقان مع مارك، الأول بسبب دعوى مرفوعة من الأخوين وينكلفوس، والآخر من إدواردو، وإذا كان الأول يدور حول صراع مالي، فإن الآخر لا يخلو من مرارة فقدان الصداقة بسبب السعي إلى ‘النجاح’، وكلا التحقيقين يمضيان في تقاطع طوال الفيلم، كل نقطة تؤدي إلى الأخرى في شبكة متداخلة، تجعلك تسأل أحيانا: من على حق ومن على صواب؟ وإن كان الأرجح أن كل ذلك الصراع يدور حول ‘نجاح’ عبثي لأنه يعتمد على التقاليد الأمريكية، التي تجسد بأقوى تعبير المثل المصري: ‘اللي تكسبه إلعب به’!! وبعد تحقيق ذلك النجاح خواء كامل، استغراق في الجنس والمخدرات ومراقبة الحسابات في البنوك، أما السعادة بمعناها الأكثر بساطة فلتذهب إلى الجحيم!! ذلك هو الجزء المظلم من اللاوعي الجمعي الأمريكي، يقبع في الظلال الثقافية التي تنسى أو تتناسى الفرق بين الأبيض والأسود، والخير والشر، تماما كما تتجسد على الشاشة في تلك الظلمة، لا فرق في ذلك بين غرف الطلبة في الجامعة أو النوادي الليلية أو الشوارع الممطرة أو البيوت المغلقة على أصحابها. وتلك هي رؤية ديفيد فينشر للمجتمع الأمريكي، التي تطرح سؤالا صارخا حول معنى النجاح ومعاييره وشروط تحقيقه، إنه مجتمع يزعم أنه يحقق ‘الحرية’ لأفراده، بينما هو في الحقيقة يربطهم بأغلال قوية تجعلهم يدورون بلا نهاية في الساقية، اكسب مالا واشتر منه سلعا كمالية أو حتى ترفيهية قصيرة العمر، وإن لم تملك الآن المال فالمصارف مفتوحة لكي تقترض، وفي الحالتين (وللأسف انتقلت هذه العدوى للكثير من بلادنا) فأنت عبد لاقتصاد يعتمد على دورة رأس المال التي لا تنتهي. ومن بين هؤلاء ‘العبيد’ قد تواتي أحدهم الرغبة في المقامرة، بكل ما في المقامرة من معنى، لعله يصبح ‘غير عادي’، ثريا، مشهورا، وليس مهما الطريق لكي يصبح ذلك كله، فذلك ضمان آخر لأن تمضي دورة رأس المال دورتها العبثية، التي يريدون لنا أن نكون جزءا منها باسم الاقتصاد الحر تارة، أو النظام العالمي الجديد تارة أخرى، لكنها في الحقيقة تقسم البشر إلى من يملكون ومن لا يملكون، وإن كنت في شك من ذلك تأمل ما حدث في المجتمع المصري خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، تحت عنوان ‘الإصلاح الاقتصادي’، وأرجو أن يعود من يهمه الأمر إلى مقالات الدكتور فؤاد مرسي في هذا الشأن منذ بداية الثمانينيات.

يدرك المخرج ‘الأمريكي’ ديفيد فينشر هذه الرؤية عن مجتمعه ونحن الأكثر حاجة إلى إدراكها، إذ يترقى وزراؤنا في مناصب في صندوق النقد الدولي أو ما شئت من مؤسسات مالية ‘عالمية’ لأنهم ينفذون هذه السياسة الأمريكية في إفقار العالم ماديا وروحيا، بينما تثرى مجموعة من ‘المغامرين’ (ولهم صفة أخرى من المؤكد أن القارئ يعرفها) على حساب الأغلبية من البشر، وسلِّم لي على الليبرالية وحرية الاقتصاد والسوق الحر!! إن تلك العبثية يبرزها فينشر في أن الشخص الذي ينشئ ‘الشبكة الاجتماعية’ فاشل تماما في أن يخلق علاقة إنسانية واحدة سوية، إنه يحقق ‘النجاح’ لأنه خلق عالما افتراضيا يشبه تماما الاقتصاد الافتراضي الذي تمثله البورصة وأشباهها (وأرجو بصدق أن يشرح لي أي متخصص ما هي تلك ‘البورصة’ التي يراها شخصي المتواضع طاولة قمار كبرى لا تعكس أي اقتصاد أم إنتاج حقيقي، ومع ذلك تصبح جزءا من اقتصادنا وحياتنا). إنها العبثية التي دفعت بكلمات مخترعة إلى اللغة. إن أندرو يبتهج عندما تقول له صديقته: ‘فيس بوك مي’ (أي راسلني على الفيس بوك، فقد أصبح المصطلح من أفعال اللغة)، تماما كما تهجره صديقة أخرى لأنه لم يضفها بعد إلى قائمة أصدقائه على صفحته في الفيس بوك!

قد تبدو هذه السطور معادية للتقدم التكنولوجي، بينما أنا أكتب مقالتي الآن على الكومبيوتر، لكنها في الحقيقة محاولة للبحث عن المعنى في أي تقدم تقني، إنه وسيلة، وليس غاية، وهو أداة تساعدك على أن تعيش حياتك الحقيقة، لا أن تستغني عنها لتعيش حياة افتراضية. وبقدر ما أن هذا التقدم يسمح بالإبداع، فإنه يتيح الابتذال، والنسخ، والمسخ، والتنفيس المرضي، وانقطاع الصلة الحميمة بين البشر. وإن كان هناك متسع وسط هذه القتامة لنكتة طريفة، فقد تذكرت الآن الرجل الأمريكي الذي وجد شابا في جزر هاواي، مسترخيا على البحر، فوجه الرجل إليه اللوم لأنه لا يعمل، سأله الشاب: لماذا؟ قال الأمريكي: لتكسب المال، ويتسع ثراؤك، وتكون لديك شركات ضخمة، فيها مئات من الموظفين يعملون بدلا منك، لكي تستريح من بعد ذلك كله، فقال الشاب: ولكني مستريح فعلا الآن!! مرة أخرى إذا كان هناك في أفلام فينشر من تشاؤم حول ذلك الصراع الاقتصادي والاجتماعي على الطريقة الأمريكية، فالهدف هو إعادة النظر في المسلمات، والبحث عن المعنى من جديد، والعثور على الحياة الحقيقية. في المشهد الأخير من الفيلم، يجلس صانع الفيس بوك أمام الكومبيوتر في الظلام، طالبا بضغطة زر من فتاته القديمة أن تقبله صديقا على صفحتها، ويظل يضغط على الزر بين لحظة وأخرى لكي يجدد الصفحة، دون جدوى… وربما سوف يظل ينتظر إلى أن تنهي حياته الافتراضية والحقيقية معا!!’ ناقد من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية