لم تكن الانتفاضة التي بدأت في منطق المغرب العربي لتعبر عن صياح البطون الخاوية وتطالب في ملئها بالغذاء فقط، بل كانت حادثة الشاب محمد البوعزيزي الذي احرق نفسه امام مقر الوالي والذي سيخلد اسمه طبعا كضحية ظلم واستبداد وعنوانا للتضحية بمثابة النور الذي لاح بآخر نفق جوع الانتفاضات الذي يسير فيه الملايين ممن وصل بهم ضغط ما يحملون من شتى انواع الهموم الى درجة الإنفجار، فأطلقوا العنان للركض بكل قواهم نحو اخر النفق لإبصار ذلك النور الذي يأملون فيه سد ولو رمق من جوع الانتفاضات الذي يشعرون به منذ سنين.
فمنهم من حظي بالوصول ومنهم من ينتظر ومنهم من قضى نحبه، وان كان الجوع والبطالة هما السببان الرئيسيان في هذه الانتفاضة لكن الحقيقة ان الاسباب بالعشرات والجوع للإنتفاضات كان حلما يلازم عقل كل عربي على مدى اكثر من ثلاثين عاما. ويبدو ان النور الذي لامسه ابناء المغرب العربي لم يعد حكرا عليهم بل سيشاركهم فيه او بالأحرى بدأ يشاركهم فيه ممن شاطروهم فقدان الكرامة وقبور الاذلال وتكميم الافواه وسرقة الحقوق ومصادرة المواطنة في التمييز بتوزيع الثروات ليس حصرا على ابناء الحكومات ومن تبنوهم بل واهدائها للعملاء وما يجلب بالليالي الحمراء من فتيات ومن مت لهن بصلة من قريب كانت او من بعيد – يعني اي واحد من رائحتهن- في المشرق العربي كذلك، لقد كانت وفاة الشاب – محمد البوعزيزي- بمثابة الشرارة التي اشتعلت ببداية الشريط المؤدي الى قنبلة البيت القائل (اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر) فهل تستطيع الحكومات الحيلولة دون وصول تلك النار للقنبلة المرعبة لها؟ وهل ستفي بالغرض التدابير العاجلة والمتأخرة كثيرا والمكشوفة اسبابها من تخفيض الاسعار للنصف ورصد مليارات الدولارات لخلق مئات الوظائف واعفاء المشاريع الاستثمارية و السلع التموينية من اية ضرائب؟ لماذا لا تأتي هذه التدابير الا بالعين الحمراء وسواعد شماء حين ترفع في وجوه متعالين متكبرين، أداروا ظهرهم للشعب بعد ان سلبوا ثرواته وحجبوا حرياته، واين كانت ملايين الدولارات التي ظهرت بعد الانتفاضات لتوضع بين ايدي المواطنين في سخاء مفروض او بالاصح نقطة في بحر حق مغتصب، تجتمع مجالس قيادات المغرب والمشرق العربي بشكل متواصل في دواخل اراضيها كل على حدة لسببين لا ثالث لهما، الاول:
وجود السبيل الامثل لمنع وصول نار الانتفاضات الى قنبلة التغيير وهذا سبب ليس بأهمية السبب الثاني وهو: عودة المنتفضين للحياة في النفق المظلم وكيفية التعايش مع الظلم والظلام الذي رافقهم عشرات السنين ولحد الموت مهما كلف الامر حتى لو بإبادة نصفهم، الاهمية هنا للحكم، بينما الشعوب تأتي سواء بمواليد جدد او بمهاجرين جدد الذي لا يريد هؤلاء الحكام الاقتناع به هو ان الشعوب انفسها تغيرت بحكم تجدد العالم فلم يعد للتعتيم الاعلامي وتكميم الافواه جدوى، وعلى سبيل المثال بإمكان اي مواطن وخلال سفرة قصيرة سياحية او عملية فتح الانترنت والاطلاع على ما يدور في بلده من امور مخفية ناهيك عن الايميلات والرسائل المصورة عبر الاجهزة المتقدمة من الموبايلات عما يدور بالعالم اولا بأول، اذ اصبح البدوي من فوق ظهر البعير في الصحراء يعرف ما يدور بالبيت الابيض من امور عبر البلاك بيري هذا اذا ما عرف البعير نفسه بما يحدث. هناك اسئلة منطقية سيسأل بها كل فرد نفسه وهو نفسه يعرف السبب لكنها الحرقة ومحاكاة الذات، سواء كان اميا او متعلما، ان كانت هذه الوظائف بالإمكان توفيرها والاسعار بالإمكان تخفيضها والمواد بالإمكان توريدها إذن لماذا لم يتم ذلك من قبل؟ والجواب ô. انها العبودية في زمن الحرية والتخلف في زمن التطور والطاعون الذي لم يعد في زمن فتكه، نصيحتي لكل من يملك القرار في الغرب والشرق العربي، مادام الموت آتيا لا محالة والاموال والكراسي لا ترافق الميت الى قبره بينما ترافقه اعماله وحتى الكفار يدركون ذلك، وبما ان الظلم مداه قصير فالحجاج ولينين وساوشيسكو وميليسوفيتش وغيرهم الكثير ممن ظلموا شعوبهم لم يعد لهم في قلوب البشرية الان الا اللعنة، لماذا لا نحتضن نحن الحكام من المسلمين والعرب شعوبنا ونبادلهم الحب في الله والوطن والدم، ونقاسمهم ما رزقنا الله به من خيرات بدلا من أن تشرد بناتنا ويقتل اولادنا ويمثل بجثثنا بعد موتنا في حال ظلمنا، وقبل كل هذا تحرق ابداننا في نار جهنم ولا مجال هناك يوم الاخرة للإعذار بأن التقارير التي كانت تأتي للحاكم قد ظللته وانه اخذ على حين غرة لأن الحاكم المثالي من يكون على اتصال مباشر مع شعبه وبتلامس حقيقي مع قومه، بل ويتعداه الى اكثر من ذلك – حين استنجدت امرأة مسلمة بالمعتصم.. وامعتصماه.. فسير لها جيشا جرارا.. اما الآن فتستنجد اخواتنا الفلسطينيات بالقاده المسلمين حين يدور عليهن الجنود من الإسرائيليين ولا نعرف ما حدث بعد ذلك في افلام فيديو ملأت اليوتيوب وكافة المواقع على الشبكة العنكبوتية والمفارقة ان القادة الاسرائيليين يتأسفون لما حدث. القادة المسلمون يغضون الطرف ولا يكلفوا انفسهم حتى بتعليق على غرار السرعة التي يعلقون بها على زواج الامير وليام او عشيقة ساركوزي او عراب بنات الهوى برلسكوني، نصيحتي لحكام الغرب والشرق العربي والاسلامي هي: الظهور للشعب عبر خطاب اعتذاري لما حدث عبر السنين الماضية وان الاعتراف بالحق فضيلة وفتح قنوات الاتصال مع الحكومة على مصراعيها وحرية التعبير والغاء حظر شبكات الانترنت والتماس طريق الشفافية والانتخابات الحرة النزيهة ورصد ميزانية لرفع الشعوب الفقيرة الى مستوى افضل واحتواء العاطلين في واحة خلق الوظائف والمساعدات والتوزيع العادل للثروات، ان ثقافة الخوف قد تبددت من نفوس الشعوب وقوائم القمع قد تصدعت، وسقط بعضها مبشرا بسقوط الأخرين وصوت الرأي العام قد صدح بعد ان تم تجاهله واحتقاره عده سنين، لم تعد القنابل المسيلة للدموع والمياه الحارة والرصاص المطاطي ولا حتى الرصاص الحي وهي وسائل اليهود لقمع انتفاضة اخواننا الفلسطينيين، ليوقف انتفاضة الشعوب ومطالبتها بحقوقها وان كانت هذه الايام على استحياء فإنها بالمستقبل لن تكون كذلك، العرش والثروات لم تعد حكرا على احد. آن الاوان ان تقرأ السلطات العربية والاسلامية المتغيرات العالمية والعربية بصورة صحيحة وتتفاعل معها بما يلائمها وان وسائل الحجب والتكميم والتعذيب والتجويع ومصادرة الحقوق قد انقرضت وعفى عليها الزمن، يجب اعاده التشخيص والعمل على علاج المرض أولا بأول وتقبل الاخبار السيئة مثل تقبل الاخبار السارة واتخاذ التدابير بنفس الوتيرة بالفرح والحزن ان لم يكن الحزن اولى بسرعة التدابير ولتكن لهم عبرة ان وزيرا بريطانيا يحاكم بقضية رشوة لقبوله تذاكر دخول سينما بينما لم يطبق يوما على حاكم عربي من اين لك هذا؟
مياح غانم العنزي