قرأتُ بشغفٍ كبير افتتاحية رئيس التحرير، الاستاذ عبد الباري عطوان في عدد ‘القدس العربي’ ليوم الأربعاء، تحت عنوان: انتفاضة كرامة.. وليس خبزاً فقط’، اتفق معه في جميع النقاط التي طرحها وخصوصا: ‘بدأت انتفاضة القاع التي انفجرت في الجناح المغاربي تؤتي ثمارها ليس في تونس والجزائر فقط، وإنما في دول الجوار، وبعض الدول المشرقية أيضاً، مما يعني أن القبضة الحديدية للأنظمة العربية في طريقها إلى التآكل تحت مطرقة الاحتجاجات الشعبية الغاضبة’.. وتابع عطوان’ أمران يجب أن يتوقف عندهما أي مراقب متابع للاحتجاجات، الأول هو صمت الدول الغربية، والأوروبية خاصة على الشاطئ الآخر من المتوسط، والثاني هو عدم إقدام دول أخرى تشهد احتقاناً داخلياً مماثلاُ مثل المغرب وسورية ومصر واليمن، على إجراءات مماثلة لتخفيف معاناة المواطنين..’. نتوقف عند اليمن اولا ومن ثم نعرج على بقية الدول التي ذكرها الاستاذ عبدالباري، الذي دائماً يضع النقاط على الحروف، والحلول لزعمائنا العرب والنصائح الثمينة.. لكنهم لا يصغون سوى لمستشاريهم الفاسدين. فاليمن يبدو رابع الدول بعد ليبيا والأردن وسورية، أقدم على إجراءات استباقية وقائية للحيلولة دون نزول العاطلين في عواصمه والمدن إلى الشوارع، فقد عملت ليبيا على إعفاء المواد والسلع الغذائية مثل: السكر والزيت والدقيق من الرسوم الجمركية، مما سيؤدي في المقابل إلى خفض أسعارها بشكل سريع، وكذلك الأردن اتخذ إجراءات عملية سريعة لخفض أسعار جميع السلع والمواد الغذائية الصناعية، لتفادي غضب الشارع الأردني. بينما اصدر الئيس السوري خمسة مراسيم للخفيف على الفقراء بعد ان وصل التحرك للشارع السوري. أما اليمن وهو بين 30 دولة في العالم التي تعد الأشد فقراً، فقد قفزت حكومته فوق تلك الانتفاضة في الجزائر وتونس، بحيث قسم المواطنين في اليمن إلى أسر منتجة وأخرى غير منتجة، أي حسبة اقتصادية بحتة، وطريقة أو خطة استباقية ملتوية قبيل أي انفجار للشارع اليمني، الذي يعاني غالبيته من شدة الفقر ويقف تحت خطه العالمي، إلا أننا لا نتوقع خروجه على المدى القريب، فهو أكثر الشوارع العربية رحمةً وصبراً على حكومته، ولكننا لا نستبعد حدوث مفاجأة، بحيث من يخرج من حظيرة الحكومة أو يشق عصا الطاعة عليها في صنعاء أو بقية مدن الجنوب أو الشمال اليمني، ويضيق ذرعاً من اشتعال أسعار المواد الغذائية التي سببها الحكومة المركزية في صنعاء، ويخرج لمواجهتها ومصفحاتها العسكرية في الشارع اليمني، والتعبير عن غضبه وجوعه، سوف يتهم بأنه شخص أو أشخاص يعملون على التخريب وتدمير المنشآت الرسمية والخاصة، وأنهم أسر غير منتجة وكسلاء ولا ينخرطون في جمعيات نشطة ببعض الصناعات المحلية اليدوية، وتستطيع أن تسد رمقها وفقرها، ويباح قتلهم، مثلما حدث في مظاهرات أو انتفاضة الجياع مثلما سماها الأستاذ عبد الباري عطوان، الذين تظاهروا عام 2005 في صنعاء احتجاجاً على رفع أسعار المشتقات النفطية إلى الضعف (80′)، وسقط عشرات القتلى ومئات القتلى، التي استمرت لأيام فقط، خرج فيها المتظاهرون اليمنيون إلى نهب وسلب ما تيسر لهم، وأكلوا الأخضر واليابس، ولم تخفض الحكومة سوى 5′ من تلك الزيادة النفطية، عقب وساطات قبلية وتقطعات لناقلات النفط القادمة من مأرب إلى صنعاء. نعود لنقول انه لذلك لم يكن مفاجئاً أن يحضر فخامة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، الأربعاء الماضي 12 كانون الثاني- يناير الجاري، المؤتمر الوطني الأول للجمعيات والأسر المنتجة في صنعاء، ويعترف ويقول نعم عندنا بطالة، ولابد أن تضحي الحكومة في مقارعة الفقر، لماذا لا نشجع هذه الأسر المنتجة للسلع والمنتجات اليدوية؟ ولماذا لا يكون في القطاع الخاص اي تشجيع لها، أوجه بنك الأمل (الخاص بالتمويل المشاريع الصغيرة والأصغر) في صنعاء بتقديم قروض مالية لهذه الأسر، كما أوجه حكومة السيد علي محمد مجوَّر رئيس الوزراء بمحاولة إعادة تأهيل مصنع الغزل والنسيج في صنعاء وفرعه في عدن بالشراكة مع القطاع الخاص. وكذلك قام الرئيس صالح الخميس 13 كانون الثاني ـ يناير الجاري، بتعليق مهام وزير النفط والمعادن السيد المهندس أمير سالم العيدروس، ومدير شركة النفط اليمنية، على خلفية أزمة المشتقات النفطية في صنعاء منذ الأربعاء الماضي، بسبب تأخير وصول شحنات ناقلات النفط والغاز من محافظة الحديدة شمال شرق البلاد. في محاولة من الرئيس صالح لامتصاص غضب الفقراء و الجياع في اليمن، وما أكثرهم. أتفق مع رئيس التحرير في أن مثل هذه الإجراءات الاستباقية قد تكون غير مجدية تماماً في إيقاف الشارع الغاضب وانتفاضته ضد حكومته الفاسدة، ناهيك أنها مؤقتة ومحدودة التأثير والفعالية على براثن الفقر وأسبابه، ولن توقف كذلك انفجار الشعوب العربية. إلا أنني أقول أنه حتى هذه الإجراءات يتم التآمر عليها وصبغ الفساد الحكومي العربي عليها، بشتى الطرق، فحذار من الالتفاف على اهم انجازات الجماهير العربية خلال عقود من الموات.
محمد رشاد عبيد – اليمن[email protected]