امرأةٌ حجريَّة

حجم الخط
0

مهدي نصير (1) صحراءُ شاسعةٌ تنوحُ الرِّيحُ في أرجائِها تعوي كذئبٍ جائعٍ وتنهشُ البراعمَ الغضَّةَ تستلقي كأرنبٍ على ورقِ الثِّمارِ الناضجةْ.(2)براعمُ من حجرٍ وبراعمُ مُجهضةٌ تتناثرُ تحملُها الرِّيحُ في فمِها الأعوجِ كالـلُـعـاب.(3)جالساً كنتُ والرِّيحُ تركضُ حولي كقِطٍّ عجوزٍ ومُتعَبْ.(4)تستلقي على ظهرِها والمياهُ الأواسنُ تفرُكُ عانتَها بخُروقٍ مُجعَّدةٍ كالخريف.(5)هياكلُ مُفرغةٌ تتقافزُ من حولِها وتُخرمِشُها مثلَ مُكنسةٍ مُتثلِّمةِ اللثَّةِ وتُلملمُها في دوائرَ وتُبعثرُها كعروسٍ عجوزٍ تُنظِّفُ أطقُمَ أسنانها في المساء.(6)تجلسُ في مقعدي وتُكركرُ مثلَ صغيرٍ وتشربُ قهوتها وتُغمِّسُ أُصبعَها في المُربّى القليلِ على المائدةْ.(7)تنامُ على مقعدي وتُجاهرُ بالعُنفِ تفرشُ مِعطفَها فوقَ لحمٍ مُجعَّدَ أبرَصَ ترتجُّ يجفلُ مِعصمُها الأزرقُ ويُخشخشُ في عُنْقِها جَرَسٌ ذهبيٌّ بدين.(8)تصحو وتقضمُ قُرصاً من الجُبنةِ والعسلْ (9)تمضي إلى المطبخِ في المَمرِّ المُضاءِ بضوءٍ قصيرٍ وتبحثُ عن كوبِها الحجريِّ تسكبُ بعضَ المياهِ القديمةِ تشربُ ترجعُ نحوَ الأريكةِ تفرشُ مِعطفَها وتموء.(10)تُغسِّلُ شَعري وتبحثُ عن مِشطِها الحجريِّ وترفضُ غاضبةً أنْ تُمشِّطَني بأصابِعِها كالصِّغار.(11)تكسرُ المرآةَ في الإطارِ الذي كانَ من عاجِ فيلٍ قَضى بحجارتِها في الهزيعِ الأخيرِ من الطّين.(12)تجلسُ واهنةً في المَمرِّ وتشرحُ لي أنَّها ستُعاني صُداعاً طويلاً ولن تستطيعَ الخروجَ إلى السّاحةِ حيثُ كانَ يُدرِّبُ أعضائَهُ أرنبٌ حجريّ.(13)تنامُ أنامُ بقُربِ يديها تُحطِّمُ في فورةٍ حِفنةً من حليبٍ تُمزِّقُ شَعراً تهدَّلَ من حولِها كخيوطٍ من القنَّبِ الأبيضِ والدُّهون.(14)تهدأُ تنفخُ في الموقدِ الحجريِّ يَهبُّ رمادٌ ويملأُ ظهرَ الأريكةِ ترتجفُ الصورةُ تتغبَّشُ أهبطُ للقبوِ أبحثُ عن خِـرَقٍ تتكسَّرُ بعضُ الدَّواسرِ في السُّلَمِ الخشبيِّ وتصرخُ جافلةً كَفَرسْ.(15)من الشُّـبَّـاكِ كانَ الأرنبُ الحجريُّ يجلسُ صامتاً كجديلةٍ رقطاء.(16)تتسلَّـلُ نحوَ الجِدارِ وتفرُكُ سُرَّتَها شَبَقاً ويسيلُ لُعابٌ كثيفٌ على قِطعةٍ من حَريرٍ مُـوشّى برسْمِ حِصانٍ جَموحٍ وأعزلْ.(17)كزُجاجةٍ نافقةٍ سوداءَ تستلقي مُهشَّمةً على قاعِ الجِدار.(18)تتكسَّرينَ على الشَّواطيءِ في ثيابِ النومِ مثلَ عَظاءةٍ نجْديَّةٍ وعجوز.(19)في النافذةِ الشفّافةِ كانَ الشِّتاءُ ساخناً ويرتدي قميصهُ الصيفيَّ يجلسُ واضعاً قدماً على قدمٍ ويشربُ قهوةَ الصباحِ مع أرانبِ الفِناء.(20)كصورةٍ لامرأةٍ باذخةِ الأنوثةِ من حجرٍ كانت وفي الإطارِ مِرآةٌ مُكسَّرةٌ وريحٌ تحتمي بالورقِ المُتساقطِ من شجرٍ أعور.(21)يقرعُ النافذة أرانبُ من حجرٍ وطبولٌوآلهةٌ وشِتاءٌ وماعزُ آلهةٌ تتساقطُ من عَطَشٍ ونِياقٌ أراملُ قافلةٌ من سلاسلَ رمليَّةٍ ونَجيلٌ نَحيلٌ وأصنامُ شاحبةٌ تعرُجُ حيثُ كانَ ذؤيبٌ مُرقَّطُ يقضمُ أقدامها الحجريَّةَ في الليلِ ثُمَّ يُخبِّيءُ أجسادها ويُملِّحُها ويُقدِّدُها ويُضيفُ إليها قليلاً من الورقِ الأصفرِ المُتناثرِ فوقَ سُطوحٍ من الفِضَّةِ والخَرزْ. (22)تتدافعُ تقرعُ نافذةً في الجدارِ القريبِ من الساحةِ الدائريَّةِ كانت تدورُ وتصرخُ كانت تُدوِّرُ عن حجرٍ قَضَمتهُ الحَراثينُ أخْـفَـتْـهُ في جسمِها الذهبيِّ الذي كانَ يقفزُ حولَ التماثيلِ والحلقاتِ النُّحاسيَّةِ حيثُ كانت مُقيَّدةً وتُغلِّفُها كُتَلٌ من معاطفَ سوداءَ تسقطُ كلَّ خريفٍ وتومضُ عاريةً وتُحاولُ أنْ تَتجوَّلَ كالسَّمكِ الحار.(23)تنهضُ مُتعبةً وتُطلُّ من الشَّبكِ المعدنيِّ الذي كانتِ الحلقاتُ النُّحاسيَّةُ تتوسَّطُهُ وتُسطِّرُ فوقَ الرُّخامِ القصيرِ المُثقَّبِ بُقعةَ خوفٍ مُدبَّبَ أشعلتِ الشُّرفةَ كنتُ أجلسُ أرثو دواسرَها بمساميرَ كنتُ أُدبِّـبُها وأُلوِّنُ أطرافَها وأُجرِّبُها بالأرانبِ والماعزِ الحجريّ.(24)أغمضتْ يدَها ومضت نحوَ كوبٍ أعـدتْـهُ في عَـجَـلٍ من حليبٍ مُجفَّفَ أجلستِ الماءَ فوقَ بلاطِ المَمرِّ المؤدي إلى الشُّرفةِ أشعلتْ في هُدوءٍ لُفافةَ تبغٍ أشارتْ لأرنبةٍ جلستْ فوقَ مِقعدِها الخشبيِّ الطَّويلِ ومِن حولِها التفَّتِ الرُّقمُ الحجريَّةُ كالحلقات. (25)كُنَّ يُقلِّمنَها بالأزاميلِ ينحتنَ ماءً على وجهِها ويُضفنَ قليلاً من العسلِ الأبيضِ كغِراءٍ لمرآتِها ودواسرِ شُرفتِها الخشبيَّةِ حيثُ جلستُ كزوجٍ من الدُّسَرِ المُتقوِّسةِ اليابسةْ.(26)على الأريكةِ تجلسينَ دُميةً حجريَّةً وفي الفِناءِ كانتِ الأرانبُ البريَّةُ تتحوَّلُ تتيبَّسُ تتحجَّرُ كانتِ الخيولُ من حجارةٍ سوداءَ كان الرِّيحُ يجلسُ دُميةً في الشُّرفةِ الحجريَّةِ الأمطار.

الحصن 12-11-2010

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية