أحمد منصور اليوم بدأت أفهم لماذا يصرخ واحدنا عندما يسقط من رحم أمه، لأن في داخل أحشائها صورة مصغرة عن العالم الخارجي، فهو فيها يتنفس.. يسمع.. يتغذى.. يبعبط في مجاله الحيوي فيميل ويلبط.. إنه ملك صغيرٌ يفعل ما يشاء، فجوف أمه مملكته وهو فيه الملك الصغير المدلل.. لا مسؤولية ولا وجع رأس.. وأمه الطبيعة الحميمة المرسلة تسبغ عليه كل ما هو بحاجةٍ إليه.
وسرعان ما يسقط بعد استضافة تسعة أشهر مجلغماً بالدم فتنخسف الدنيا به فكأنه في الفراغ بقدميه ورجليه ورأسه لا يطيق مسقطه ولا أعين وتهليل المحيطين به. يسقط مع الدم إلى النار التي ترحب بقدومه، لا سيما إذا كان ذكراً فهو استمرار المجد العائلي وبندقية جديدة للجاه والوجاهة والعز.
الفرقعة ‘تتمقطع’ بنوم هذا الصغير الراقد فيغدو سباته كالحزام الرث المقتطع.. الرصاص يزعزع خلاياه الوردية فتتكرنش وتتزركش.. ناهيك عن قض وقضيض الصواريخ وهبج المدافع وزعزعة الفانتومات الجاعرة الكاسرة عندما تتزلزل الأرض. فكيف سينجو فيه الجسد والروح… ؟ السهرات غالباً ما تتخللها الأحاديث عن الحروب والقتل والذبح، فتتقاطعها الأصوات المرتفعة مع الراديوهات والتلفزيونات… كما أن لغة التخاطب بين الوالدين قد لا تخلو من التعايط والملاكمة اللفظية، وقد يكون كذلك بين الإخوة والأخوات والصغار الزائرين. فضاء البلد ينهشه الدخان الذي يلتهم الضوء والرماد، ناهيك عن الروائح السامة للسواقي والمجارير المكشوفة، التي تمرض الشجر والبشر، هذا عدا عن نخر السماء بهدير محركات الطائرات الذي لا يتوقف دقيقة. هذا الطفل مجرد ما يمشي، فالهدايا مسدسات ودبابات وطائرات تحرث أجواء غرفته وخياله بضجيجها المثير. وبعدها عندما يكبر ويذهب إلى ساحة العيد يشتري مسدساً، وبعيد ذلك الرشاش وهلم دواليك.. ثم يأتون له بالفرقيع والألعاب النارية.. ولئن خوت السماء والأرض من النيران فسرعان ما تملأ الفراغ نيران الأعياد والمناسبات والزواج وعودة الحجاج. وحالما تتوقف يحييها الناس عبر المجسمات النارية التي تحل محلها، وأحياناً تتخطاها لخطورة الزلزلةِ النارية التي تزرزع الأبصار والأفئدة، خصوصاً عندما يتبوأ البعض مواقع السلطة العليا.
كذلك القاء خطب الزعامات في البدايات والنهايات. فالسيد حسن وسواه من بعض الزعماء تستقبله بسملات الرشاشات وبعدها حمدلاتها التي ما استطاع منعها، فوقع بين يدي المرحوم المرجع السيد محمد حسين فضل الله فأفتى الأخير مانعاً هذه الظاهرة التي يا ما قضت على شباب وتركتهم معاقين أو طرحى القبور، وأحياناً ينقلب العرسٌ مأتماً والمدفن مدافن، كما استحال الى رماد جهـــــنم الكثير من المكتبات الخاصة المبنية من حجارة المعــــرفة من أركان الأرض الأربعة.
تسير على الطريق فترى الجدران مغربلةً بجـــميع أنواع النيارين، كما ترى الأطفال احياناً يتلقفون الفراغات لتجميعها واللعب بها وبيعها. لقد أصبح اللبنانيون ـ بنسبةٍ كبيرة ـ مدمنين على اطلاق النار والفرقعة كمدمني الكحول والسجاير والمخدرات.
وما شهدناه أخيراً لا آخراً في برج أبي حيدر، رغم بلادة السبب، قد كان في العدوى كالتيار الكهربائي فشمل الأحياء الاسلامية في بيروت من قبل بداية الفطور الرمضاني حتى منتصف الليل. إنه مثال فصيح صارخ كالجحيم في الهشيم، استمر حتى تدخلت القوى في الداخل والمحيط والخارج للجمه وإيقافه. لبنان الأخضر غدا هكذا جهنم الحمراء، والسير فيه أصبح على رحمة أنياب الألغام وقواطعها.. فكيف إذا ما أضفنا إلى ذلك كله عناقيد القنابل العنقودية التي تفتك وتبتر ما استطاعت بأهل الجنوب الأبرياء. إن ما يضعضع الإحساس والصواب، هو أن بلداً كلبنان بلد الخمسين جامعة ومئات المفكرين وآلاف رجال الدين على اختلاف مسالكهم، والزعماء الذين لا حصر لهم، تجري الأمور فيه وتتعرض حياة الإنسان المقدسة وسلامته وكأن شيئاً لم يكن ـ علماً بأن أي إنسان منهم معرض للخطر من بنيهم وذويهم، والرصاص لا دين له ولا طائفة ولا مذهب. فإذا لم يكن هناك إجماع على حماية الحياة فكيف يكون إجماع على حماية المسائل الكبرى التي تهم الوطن؟ وقد يكون هذا الموضوع فرصةً لا يستغنى عنها لتنظيم حملةٍ عامةٍ في مختلف وسائل الإعلام، مصورةً المآسي التي تعرض لها الناس وما زالوا يتعرضون. وهل غاية الحكم سوى خدمة الإنسان الذي على صورة الله؟ إن الرصاص آخر وسيلة يجب أن تستخدم إلا في الدفاع عن النفس وتطبيق القانون والدفاع عن الوطن. كما أن الزناد يجب أن يلمسه الدماغ قبل أن تمسه الغريزة، ومن هنا نحن بحاجةٍ إلى غسل الأيدي والرؤوس، لاسيما أن الكثيرين ألسنتهم على زناد مسدساتهم المحمولة كيفما يتحركون.
إنه لجريمةٌ كبرى أن تهدر ملايين الدولارات على تسميم الجو وتلويثه وتعريض الإنسان للخطر، في الوقت الذي يجوع فيه الآلاف المؤلفة من المواطنين ويمرضون وترزح الدولة تحت اثنين وخمسين مليار دولارٍ من الديون، والكثير من المسؤولين يستحمون بالأضواء التلفزيونية والحفلاتية في البلد الذي لا ينام وكأنهم في كواكب أخرى.
إن كل يوم يمر، بما يحمله من ضحايا محتملة، تقع أعباؤه على من اختاروا خدمة المواطنين الذين نسوا خدمتهم بالواقع والفعل فمتى يتسارعون إلى خدمتهم؟
هذا هو السؤال الذي نحن على ‘أحر نار’- لسماع جوابٍ عنه فهل مسؤولونا سيجيبون؟ ‘ كاتب لبناني