ريما كمالأحسب أن صورة محمد البوعزيزي في مواجهة بن علي، ستكون من أكثر الصور تعبيراً عن حال المواطن العربي (المحترق) بنار الطغاة من حكامه. وهي صورة ما أن شاهدتها، حتى استذكرت معها مقولة الأديب الإيطالي فكتور ألفياري (1749 ـ 1803)، الذي ترجم له عبد الرحمن الكواكبي كتابه ‘الاستبداد’ حين كتب: ‘لا يفرحنّ المستبد بعظيم قوته ومزيد احتياطه، فكم من جبار عنيد جندله (أي قتله) مظلوم صغير’. ولعل مصطلح الاستبداد، هو الذي أعادني إلى كتاب عبد الرحمن الكواكبي ‘طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد’، خاصة أن الكواكبي صرف ثلاثين عاماً من حياته باحثاً في تاريخ الأمم، لكشف جذور الاستبداد وسبل التصدي له. هي سبع سنوات فصلت ما بين استشهاد الكواكبي مسموماً في مصر عام 1902، ومولد الشابي في تونس عام 1909 مكتوياً بمرض القلب ليتوفى وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر. لم يلتق الرجلان فوق الأرض الدنيا، ولكن روحيهما تآختا في مواجهة الاستبداد والتحريض على مقاومته. وبينما آمن الشابي بحتمية انتصار الشعب في وجه الحكم المستبد، رأى الكواكبي أن المسبب الرئيس لتخلف الأمة وانحطاطها يكمن في الاستبداد السياسي، الذي يؤدي إلى فساد كل ما حوله.
وتدلل القراءة المتأنية لطبائع الاستبداد الى أن السلطة المستبدة تستند في ديمومتها إلى ثلاثة أعمدة تكمل بعضها بعضاً، أولها طبقة رجال الدين المقربين من السلطة، وثانيها طبقة المتمجدين من أصحاب المناصب، وثالثها الحرص على نشر الجهل بين العامة.
ويوضح الكواكبي مدى أهمية الدور الذي يقوم به رجال الدين المساندون للسلطة المستبدة، وذلك من خلال حرصهم وتركيزهم على إصدار الفتاوى المقتصرة على كيفية أداء العبادات التي تصبح هدفاً في حد ذاتها، بحيث تفقد فيه هذه العبادات الحكمة من فرضها. فلا الصلاة مشروطة بأن تنهى عن الرياء والمنكر، ولا الصوم يمنع قول الزور، ولا الحج يفضي إلى وحدة الأمة. ويحرص هؤلاء المضللون من الفقــــهاء المنافقــــين ـ حسب تعـــبير الكواكبي ـ على توجيه الناس إلى قوله تعالى (وأطيعوا أولي الأمر منكم) من دون أن يفسروا أن كلمة (منكم) إنما تشترط أن يكون أولو الأمر (من المؤمنين). ويتمادى هؤلاء بأن يرفعــــوا المسؤولية عن الحــــاكم في سوء أحوال الناس بتعمــيم الأمثال القائلة بأن (المؤمن مصاب)، وأنه (إذا أحب الله عبداً ابتلاه)، وغير ذلك من أقوال تحمّل القدر لا الحاكم مسؤولية معاناة الناس، الموعودين (إذا صبروا) بجنان الخلد في الحياة الآخرة.
ويضيف الكواكبي أن هؤلاء الرجال جعلوا الدين آلة لأهوائهم، فضيّعوا مزاياه، وحيروا أهله بالتقريع والتشديد والتشويش وإدخال ما ليس فيه، فأضاعوا دين الناس ودنياهم، لأنهم أهملوا عن قصد تطبيق أهم قاعدة في الدين، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتغاضوا عن قول المصطفى عليه السلام (لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليستعملنّ الله عليكم شراركم، فليسمونكم سوء العذاب). ويخلص الكواكبي بالقول ان إفساد الدين هو الأقوى تأثيراً في إفساد الشعوب.
أما العنصر الثاني المتعلق بالمتمجدين ـ حسب تعبير الكواكبي – فهم المساندون للاستبداد السياسي، من طبقة أصحاب المناصب والأعمال والنفوذ، من المنافقين الذين لا ذمة لهم، والذين يصرفون جزءاً طفيفاً من ثرواتهم المسروقة في صدقات، ويبنون المساجد سمعة ورياء في محاولة لسرقة قلوب الناس بعد سلب أموالهم. وتحرص السلطة المستبدة على استبدال وتغيير نفوذ هذه الطبقة من حين لآخر لإذلالها وضمان خضوعها الدائم، كما تحرص على إخضاع الطبقات السفلى للمتمجدين حتى يألفوا الرياء والكذب، وليعمّ في الشعب القول المأثور (إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب). ويستلزم لضمان دوام الاستبداد أن يكون العنصر الثالث هو نشر ظلامة الجهل في عقول العامة. لأن العلم يولد في النفوس حرارة وفي الرؤوس شهامة. وإذا ارتفع الجهل تنور العقل وزال الخوف، وترقت الأمة بإدراكها وإحساسها، وزاد البذل في سبيل الجماعة، ولهذا قيل ان للعلم سلطاناً أقوى من كل سلطان. فالاستبداد يستولي على العقول الضعيفة، فيشوش فيها الحقائق بدل البديهيات كما يهوى، فينقاد الناس معه انقياد الأعمى، لتصبح الرعية خادمة للرعاة، يتمتعون بها كأي نوع من الأنعام التي يشربون ألبانها، ويأكلون لحومها ويركبون ظهورها، وبها يتفاخرون.
وقد أكد الكواكبي هذه المعاني في كتابه ‘أم القرى’ الذي كتب فيه ‘إن بلاءنا… في أمرائنا المترفين، الأخسرين أعمالاً، الذين ضلوا وأضلونا السبيل… وهذا داء عياء لا يرجى منه الشفاء لأنه داء الغرور… وقد سرى من الأمراء إلى العلماء، والبلية أننا فقدنا الحرية، ومنها حرية التعليم وحرية الخطابات والمطبوعات، وهكذا ضعف إحساسنا وماتت غيرتنا، كما أن الطامة من تشويش الدين والدنيا على العامة بسبب العلماء المدلسين، الذين استولوا على الدين فضيعوه وضيعوا أهله، فتشوشت عقائدهم وضعف يقينهم ففسدت أيضاً دنياهم’. قد يجادل البعض بأن ما انطبق على زمان الكواكبي لا ينطبق على زماننا، رغم أنه استقرأ تاريخ الأمم عبر العصور. ولهذا فقد يكون من المفيد أن نسأل أنفسنا عن الحال الذي وصلنا إليه على أرض الواقع:
ما هو حال رجال الدين المقربين من السلطة في الدول العربية؟ ما الذي يشغل الدعاة والقنوات الفضائية والتجمعات التي تباركها هذه الأنظمة؟ وهل أدى سيل الفتاوى والخطب إلى ترقية أخلاقنا وأعمالنا، وإلى رفع وعينا تجاه الدين الصحيح بعد مرور عقود طويلة؟ وما هو الدور الذي يقوم به رجال الدين في مواجهة القمع والظلم، أو في الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ناهيك عن الدعوة للجهاد كفرض عين أمام الهجمة المستمرة على بلاد المسلمين، خاصة أن هؤلاء الدعاة لا يملون من التصريح جهاراً نهاراً أن لا علاقة لهم بالسياسة.
هل استولى على معظم ثرواتنا، إلى جانب السلطة المستبدة، أصحاب المناصب السياسية باستحواذهم على مراكز الأعمال والنفوذ الاقتصادي، الذين يتوارثونها جيلاً بعد جيل، مع حرصهم على أن يتصدقوا على العامة المحتاجين من حين لآخر سمعة ورياء؟
لماذا وقد دخلنا القرن الواحد والعشرين ما زالت الأمية تعمّ ثلث الأمة العربية، وترتفع الأمية بيننا إلى ضعف متوسط نسبة الأمية في العالم كله؟
في المقابل يبرز السؤال الرئيس في حديثنا: أين تونس من هذا كله إذا ما تمت مقارنتها بحال غيرها من الدول العربية، التي تتماثل معها في طغيان الاستبداد؟ ما الذي ميز تونس بصورة مكنت الشعب التونسي من أن ينهض ليقول كفى؟
أحسب أنه كان من حسن طالع الشعب التونسي، أن سياسة السلطة المستبدة انتهجت خطاً مغايراً في استبعاد رجال الدين من الدعاة المطبلين للسلطة بالمطلق، مما سمح للناس بالنجاة من دائرة الفتاوى، في ما لا يفيد إلى ما يفيد، وإلى أن يبقى الإسلام فيها أقرب ما يكون إلى الدين الصحيح، دين القرآن في علاقة مباشرة بين الإنسان وخالقه، لا دين الدعاة المخدرين لآلام الناس، ممن أضاعوا دين الناس ودنياهم. وكان من حسن الطالع أيضاً أن السلطة المستبدة في تونس بلغت من الطمع حدّاً، جعلها تستأثر بثروات البلد ضمن عائلتي الرئيس وزوجته. فتركزت السرقات والرشاوى ضمن شريحة رقيقة كان من السهل تحديدها والتشهير بها، لأنها كانت أشبه ما تكون بحكم ملوك القرون الوسطى في وضوح أفرادها وانكشاف ثرواتهم المنهوبة.
أما عنصر انتشار الجهل، فإن الإحصاءات تشير إلى أن نسبة الأمية في تونس ليست ضمن الدول الأعلى عربيا ـ وهي على الترتيب في مصر والسودان والجزائر والمغرب واليمن، كما أن أكثر من ربع مليون شاب من أصحاب الشهادات عاطلون عن العمل في تونس، وقد شكل هؤلاء المحرك الرئيس في ثورة الشعب المباركة. ناهيك عن ارتفاع وعي الشعب لانفتاحه على مئات الآلاف من المغتربين الذين بقوا على تواصل مع ذويهم مادياً ومعنوياً، ففرنسا وحدها تضم أكثر من 600 ألف تونسي مغترب عن وطنه. وقد زاد من هذا التلاحم أن نسبة عالية من هؤلاء المغتربين اضطروا إلى مغادرة وطنهم هربا من الظلم والتنكيل، وحرموا من العودة إليه. ولهذا فقد أصاب الكواكبي حين أهدى كتابه إلى الناشئة العربية الأبية، لأنه حسب تعبيره (لا شباب إلا بالشباب). كما أنه أنهى كتابه منبها إلى أن الثورة غالباً ما تكتفي بقطع شجرة الاستبداد، ولكنها لا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولاً.
بقي تساؤل ما زال يلحّ عليّ منذ الرابع عشــــر من كانون الثاني/يناير، بعــد أن شاهـــــدت التونسي الرائع يصيح مهللاً في عتمة الليل (بن علي هرب): هل حفظ زين العابدين في طفولته قصائد الشابي، وتغنى بها؟’ كاتبة فلسطينية