مانفستو الكرامة: من أجل ربيع ثقافي في تونس

حجم الخط
0

الصافي سعيدوأخيرا ها هو ربيع تونس للثورة والكرامة قد حلّ في شتاء الدكتاتورية البائسة والمبتذلة!. إنّ محنة المثقّفين في تونس والوطن العربي لا تضاهيها إلاّ محنة هذه ‘ الدولة الحديثة’ التي اخترعوا فكرتها بالتعاون مع الخارج! ثمّ ما لبثوا أن باتوا أسرى لها دون مقاومة.. وهكذا ولدت هيمنة السياسة على الثقافة في تونس والوطن العربي، بعد أن كانت الثقافة هي المدوّنة الأساسية لما سمّي بـ ‘ الأمّة العربية’.. فهذه الأمّة كانت ولا تزال توجد في السياق الثقافي، بينما هي تتشظى وتتفكّك في السياق السياسي.. ومن هنا كيف يمكن لنا، نحن المثقّفين، ( مفكّرين وكتاّبا وصحافيين وفنّانين) إعادة ترتيب تلك الأولويات لتعود للثقافة قدسيتها وهيمنتها وأسبقيتها؟.

ما من بلد أهينت فيه الثقافة في عهد ‘ بن علي البائس’ مثل تونس. وما من أمّة انحنت فيها الثقافة أمام السياسة خلال ما يعرف بالدولة الحديثة مثل الأمّة العربية، بيد أنّ تاريخنا المنجز لم يكن إلاّ منجزا ثقافيا.. ولا شكّ إذا ما كفّ المثقّف العربي على الاعتقاد بأنّه هو ‘ الدولة’ بإمكانه آنذاك أن يصبح فعلا ‘ مثقّف الأمّة العضوي’ الذي يجسّد الطموح والإبداع والمصارحة والحقيقة.. لنعترف كمثقّفين إنّ كنّا كذلك! أنّ أغلبنا اندمج في دواليب الدولة / الصنميّة! وأنّ البعض قد استولى عليه الرعب لفرط هشاشته، وأنّ البعض الآخر قد استسلم لإغراءات السياسة المبتذلة! وأنّ القليل فقط يتوق إلى المهمّات الصعبة! لنعترف أنّ الاتهامات قد حلّت محلّ المهمّات الكبرى وأنّ التخلي عن الخيارات المبدئية قد أصبح شطارة.. لنعترف كذلك بأنّنا لم نمارس تهميش الثقافة كمكوّن أساسي لأية هوية، بل قمنا بتهميش أنفسنا كمنتجين، وحاملين وحاضنين للمتغيّرات والمعاني والمفاهيم والقيم.. ثمّ كناطقين باسم ضمير هذا الشعب النابض.. ولكن الاعتراف وحده لا يكفي إذا لم تعقبه هزّة أو انتفاضة روحية على رأي المثقّف التشيكي الكبير ‘ فاكلاف هافيل’ كما حصل لدى مثقّفين آخرين في أمم أخرى.. فمنذ عدّة سنوات صدر ‘ مانفستو الـ 101’ مثقّفا في طوكيو ثمّ أعقبه ‘ مانفستو الرعب’ في باريس، بعد ذلك صدر ‘ مانفستو الحقيقة’ في برلين، ولكن لا شيء قد صدر عن المثقّفين العرب على الرغم من حالة اليأس والشؤم التي باتت عليها أمّتهم وبلدانهم بلدا.. بلدا. فبينما ألغت الدولة العربية العمياء فضاء المثقّف، فإنّ المثقّف العربي نفسه الذي هيّأ الطريق لهيمنة السياسة، قد قام بإلغاء نفسه كقيمة للنقض والنقد والتأمّل والحقيقة.

من المهمّ أن يكون المثقّف إنسانا أوّلا ثمّ منتجا للمختلف ورافضا للمتآلف. وعلى تلك الخلفيّة الفلسفيّة يصبح من المستحيل أن يكون الإنسان إلها. لذلك فإنّ محاولات التشكيك التي يقوم بها مثقّفو الرعب والبلادة والغباء، قد حملت الاعتراف بالاستقالة والاستكانة بل والقبول بالاستبداد والسكن تحت سقف الجشع والدناءة. إنّ المثقّفين التونسيين والعرب الذين كانوا مضرب أمثال في التصدّي للطغيان في بداية القرن الماضي، قد أصبحوا في غالبيتهم مضرب أمثال في القبول بالطغيان.. وهذا هو الشيء الموجع للمثقّف نفسه وللشعب عامّة.. بل هو الشيء الغامض لديهم. فقد يرتكب البعض بعض الحماقات ولكن أن ينظمّ الجميع إلى حلقات الرقص على جثث الفقراء وجثث المبادئ والأفكار والإبداع، وهم يشربون القهوة على صفير نشيد الدكتاتورية الخافت، فإنّ ذلك ما يدعو فعلا إلى التساؤل حول درجة العافية التي يتمتّع بها جسد النخبة التونسية والعربيّة!. يمكن أن يطرح ربيع تونس اليوم السؤال على النخبة العربية الذابلة والمندمجة في فضاءات الدول المنكسرة والمتحالفة مع الفشل الذريع والأخطاء الفظيعة.. فالذين ارتدوا البدلات الواقية لرياح التغيير والإصلاح أو الذين شمّروا عن سواعدهم ووقفوا إلى جانب طوابير الشرطة أو الذين هاجروا إلى الماضي، أصبحوا من كلاسيكيات القاموس السياسي المبتذل والغارق في النفاق. إنّنا نعرف أنّ مهمّات رجال الثقافة الرسمية في هذا البلد لم تكن إلاّ حفلات رقص للحاكم المستبد. ونعرف أنّ صراعات رجال السياسة ليست أكثر من فرجة. فهم يدلون بالتصريحات الكاذبة والمتناقضة في كل حين ثمّ هم يتبادلون الودّ والترحاب والكؤوس على قبور الشهداء والضحايا بلا ندم.

كما أنّنا نعرف جيّدا كم من المشاريع الجيّدة قد أفسدتها الأنتلجنسيا المرتعشة، لعدم تجاوزها للسياسي الراهن.. أو خوفها من المستقبل أو لارتهانها للاستبداد. كما نعرف كم من النذالات التي إرتكبها الحكّام بالتحالف مع صمت المثقّفين.. وكل تلك الحالات هي سمات للحرب الباردة والحاقدة داخل المجتمع الكبير.. تلك الحرب الدفينة في وعي المثقّف التي يخوضها عبر قوالب جامدة. وهذا هو ما يمكن أن يسمّى ‘ الوعي الجامد’ أو ‘ الوعي السائد’ .. في الماضي القريب لم يكن طريق ‘ نجاح’ المثقّف التونسي والعربي عموما إلاّ طريق الألاعيب والصور والخيالات وحتّى الهذيان.. لقد كاد أن يكون من عائلة العرائس المتحرّكة الخالية من السحر وكذلك من الحكمة والحياة. فالمثقّف اليساري تيبّس على عتبات الفقر والبطالة واللغة المراوغة، واليميني كان يعاني من فقر دم تاريخي وهو منهمك في إصلاح وتزويق ديكور سجون الحاكم المستبد.. وعلى جنبات هؤلاء وأولئك يتبادل أعداء التسامح والفضيلة والانفتاح والثقافة تهما خالية من الذكاء ومولّدة للحرب الثقافية الأهلية.

وما يحدث الآن في شوارع تونس الجديدة بين مثقّفيها وفنّانيها ونخبها بجميع الأطياف.. هو فصل تاريخي من كتاب ‘ اللعنة المزدوجة’ للسلطة.. فالمثقّفون الذين كثيرا ما غالطوا السياسيين لأنّ الموهبة لا تضمن أبدا صحّة الأفكار.. والسياسيون الذين كثيرا ما خدعوا المثقّفين لأنّهم لا يحبّون الحقيقة، هم الآن يرقصون على جثّة الدكتاتور المحنّط والمحشو بالديناميت والكذب والإرهاب. هذه لحظة الحقيقة.. وعلينا أن نمجّد الخيال.. فهو الذي منحنا القوّة على الصمود. وهو الذي أوحى لنا بأنّ الدكتاتور هو ‘ الإنسان الجبان’ بعينه. فلنـُعـِد ِ الكرامة إلى المثقّف العضوي. ولنُعِد ِ الاعتبار إلى الثقافة العربيّة المهمّشة. ولنمجّد الحقيقة والخيال. ولنعترف بأنّ الحداثة هي التعدّدية والاختلاف. ولننحن ِ إجلالا وعرفانا وترحّما على أرواح شهداء ثورة الكرامة والحرية والديمقراطية. كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية