مثلنا تماما: ينسى الرسام موديله لكي يرسم

حجم الخط
0

فاروق يوسف’كل شي ينكتب’ قال لي. وهو يقصد: كل شيء يُكتب. ليس على الجبين، فذلك شأن الهي، انما على الورق وقبله في القلب بريشة او قبلة من حبر مائي أزرق. الكتابة تتذكر وتحلم وتتألم. الكتابة تقول وتسمع. الكتابة تحب وتكره. هل أخبرت أحدا الحكاية؟ إذاً أكتبها. هل سمع بها أحد ما قبلك؟ إذاً أكتبها. ما تفعله الكتابة؟ ما من شيء أكثر رهافة من اعادة انتاج حكاية ما. الفن كله هو نوع من الافتتان بشيء ما: سيكون لذلك الشيء حياة مستعادة، أو حياة مرجأة أو حياة متخيلة. ومن أجل ذلك الشيء يكذب الفن. يقوى على الكذب الأبيض فيقبل فولار أن يظهر على شكل مكعبات في لوحة لبيكاسو. نساء مودلياني هل هن في الواقع كما يظهرن في لوحات الرسام؟ ولكنهن يتسللن من خيال يد الرسام إلى سطوح لوحاته كما لو أنهن لم يخلقن من قبل. لو كان شاكر حسن آل سعيد قد رسمني على هيئة نقطة لكنت حلقت فرحا. شيء من الالهام الذي ينبعث من منطقة خفية يجعلنا نقبل على الفن كما لو أننا سقبض بين لحظة وأخرى على الحقيقة. ‘أكتب لكي أحلم’ يعقل تماما أن يذهب المرء إلى العمل ليكون على تماس مع أحلامه. حين ذهبت إلى الدوحة آخر مرة قرأت في أوراق الفندق الذي أقمت فيه أن الوسادة التي سأضع رأسي عليها محشوة بريش الاوز. ‘مخدة من ريش الاوز. ستحلمني بدلا من أحلمها’. الهام تلك المخدة جعلني أعرف أشياء عديدة عن أحلامي التي لم أحلمها بنفسي، بل حلمتها المخدة بدلا مني. كنت أرى كائنات أحلامي وهي تتقافز من حولي على السرير. تمشي بقدمين حافيتين على الماء في فينسيا وترى إلى جبل قاسيون في الشام بعيني ياسر صافي. قلت من حقها أن تستقوي علي بالكذب. فهي ترى أفضل مني. ترى ما محته ذاكرتي. خمس ليال قضيتها في غرفة بالطابق الحادي عشر من غير أن أبصر في الفضاء اوزة واحدة. في ممرات الفندق كان ريش الاوز ينمو مثل نباتات ظلية. في الكتابة (الفن) يحدث شيء من هذا الايحاء. وهو حدث يتطلب قدرا هائلا من التصميم على مؤاخاة الوهم بالحقيقة. ما تنتظره لن يقع. تعرف ذلك جيدا. التقنيات لا تحضر إلا أشباحا. اما الارواح الحية فتظل هائمة خارج كرات الصوف. كان سوق الغزل في بغداد هو المكان الذي تباع فيه الطيور وانواع أخرى من الحيوانات الداجنة. ذات مرة رايت في ذلك السوق قردا. ولأني لا أحب النظر إلى القرود فقد تحاشيت المرور في المكان الذي كان يقف فيه إلى جانب صاحبه. وكما يبدو فان القرد انتبه إلى أني أتحاشى النظر إليه، فأطلق صرخة. فرح المحيطون به من المتفرجين بانه أخيرا تكلم. غير أنهم لم يدركوا أن إنسانا واحدا قد علقت به تلك الصرخة وظلت ترافقه مثل اغنية عتيقة لا وظيفة لها سوى أن تقول لمن يسمعها: أنت غريب. كان القرد يعيد انتاج حكاية، يعرف أن أصلها كان قد ضاع بين دروب الغابة. ليست ثمة مناسبة بعينها للصياح. ليست ثمة فرصة أخرى للكتابة. نكتب دائما آخر الكلمات. ذلك القرد صرخ بطريقة توحي بان صرخته تلك هي آخر الصرخات. سيكون حاضرا في صرخته التي أحملها معي اينما مضيت. لو أنني عدت إلى الجُمل التي كتبتها في أوقات سابقة لما وجدت فيها ما يمكن أن يدلني على الواقعة الروحية التي أوحت بها. ‘يمكنك أن تخترع مناسبة للكتابة. كما يمكنك أن تكون كاتبا طوال الوقت’ يقول قريني وهو يعرف اكثر مني ان حياتي في الكتابة كانت توازي الكتابة في حياتي. لطالما نسي الرسام موديله وهو ينظر إليه. هذا ما كان يجري غالبا لماتيس. وما من رسام إلا وجرى له شيء شبيه. انت ملاحق بفكرة ان تستخرج من مكان خفي أشكالا تمليها على الفراغ. ما همك أن تكون تلك الأشكال مستلهمة من الموديل الذي يقف أمامك. الموديل ذريعة مثل بصلة في مطبخ. ‘أنت تقشر إذاً؟’سأكون محمولا على غيمة ان قلت: لا.

عين الورقة تدمع. العين الأخرى تضحك. واحدة يصيبها كذبي بالهلع وأخرى تجد فيه تفسيرا لمعجزة الخلق. لا بأس. سينتهي كل شيء إلى نقيضه يوما. الألم يصير سلما للمغفرة والضحكة يزجرها الندم والتون جون يغني بسذاجة لأميرة القلوب وبغداد تتنكر لمزاجها المائي ويشتد ولعها بالموتى. الأب خُلق من تراب. من بعده صار التراب حقلا. صار وسيطا لفكرة الخلق الذي يتسلل من نافذة المطبخ. ‘هير.. هير نسيت قبعتك’تلمست رأسي بيدي. لم تكن القبعة في مكانها. نظرت إلى يد النادلة. كانت تلوح بقبعتي الخضراء التي اشتريتها قبل سنوات من محل باريسي. كانت تلك القبعة أشبه بفكرة تسقط بين حين وآخر ليلتقطها أحد ما ليعيدها إلي. لقد وعدت تلك النادلة اني ساكتب يوما ما عنها وها أنا أفي بوعدي الآن. ولكنها لن تكون المناسبة بل الذريعة. لقد ذكرتني بفتيات ماتيس. كنت أجلس وأتأملها. موهبة تلحس الأرض كالحلزون تماما. كانت الفتاة شرقية الملامح. ربما تكون عراقية أو سورية. قالت انها سريانية. لم أعلق. لا تزال حقولكم نضرة هناك. أكذب عليك كما تقول وردة. أكذب من أجلك. فلا حقل كستناء ولا غابة بندق. الموصل كالبصرة تخلت عن خلاسيتها وصارت مومياء. ‘يا سيدي حزنك يشقيني’ ليت الفتيات النضرات عدن من النزهة ليمشين بين السطور وليقعن في الخاتمة في البئر. هناك تستبقلهن (ألس) فتأخذهن وراء أرنبها في جولة ساحرة. لا تفتحن الخرائط. ما من ذكر لهذه البلاد على الخرائط. بلاد لم يعرفها أحد من قبل. لكل زائر بلاد جديدة. أقول لها: لكل قارئ نصه. لكل مشاهد لوحته.’يا سيدي حزنك يشقيني’تتكررين. الجملة تتكرر. الشفتان تتكرران. في الساقية كما في الكأس. في سلام القطط كما في حرب الفقمات. تجلسين في واجهة المتجر الزجاجية موديلا مقطوع الرأس. تداعبين قماش الساري في (اندسكا). كنت التقط عيدان البخور وأتأملك. أرواح هندية تحلق من حولنا. في المسافة التي تنجيك وتنجيني. تبرقين في الزخرف ساخنة مثل نجمة لا تزال متقدة. الثلج ليس عدوا. تقولين: الأبيض يدرك خطأه سريعا. ما ان تسقط بقعة حبر حتى تتلاشى البراءة. أخطأ أهلك كثيرا. لو عرفوا أنك تتكررين لوهبوا الشرق آلاف الالهات.

القبعة على الرأس والعصا باليد. بيسوا أنا. البرتغالي في طريقه إلى لقاء اقرانه الشعراء. كل شيء وهم. ما من حقيقة. يقول الاسماعيلي الأول. براءة اختراعه في يده يجول بها في الأسواق. بيسوا لم يعد من دكان التبغ بعد. كان البرتغالي أيضا ساراماغو قد كتب رواية رائعة عنه. غير أن هناك ايطاليا شغف به وتعلم البرتغالية من أجله قد كتب رواية صغيرة من أجله كانت الأروع. ‘لأكن بيسوا للحظات لو قدر لي’ قلت لنفسي. لو كان لبيسوا نادلة مثلك لما مات. الكتابة من أجلك تخترع مصائد لذاتها. الرئتان تنتجان هواء والمعدة تستقبل قوت الالهة. امشي لاتبعك. انا النص الذي لم يكتبه أحد. انا ماتيس الذي ينتظر في نهاية الشارع موديله. سالتفت لأسمعها ثانية وهي تقول:’هير… هير لقد نسيت قبعتك” شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية