رأي القدس تعكس المظاهرات الصاخبة التي انطلقت يوم امس في مدينة طرابلس شمال لبنان ما يمكن ان ينتظر هذا البلد من حالة استقطاب خطيرة، ليس بين مختلف الطوائف المتناحرة، وانما بين ابناء الطائفة او المذهب الواحد.
المتظاهرون السنة في طرابلس ابدوا اعتراضهم على اختيار المعارضة للسيد نجيب ميقاتي كمرشح للمعارضة بقيادة حزب الله، وتمسكا بالسيد سعد الحريري الذي اصر على ترشيح نفسه لمنصب رئيس الوزراء.
هذه المظاهرة تجسد اول انقسام حاد للطائفة السنية في لبنان بعد انفجار الازمة الوزارية الاخيرة، وانسحاب نواب المعارضة من حكومة السيد الحريري، وهو انقسام ممكن ان يتعمق في الايام القليلة المقبلة في ظل التوتر القائم حاليا.
الضغوط ستتزايد على النواب في البرلمان، وكذلك المغريات المادية والمناصبية ايضا، ومن غير المستبعد ان تترافق هذه الضغوط، او تتطور، الى تهديدات بالقتل والاغتيال، فالمعركة معركة ‘كسر عظم’، ولا يريد اي من المعسكرين المتناحرين، الرابع عشر من آذار او الثامن من آذار الهزيمة.
الصراع يبدو في ظاهره ديمقراطيا، ولكنه في حقيقة الامر اكثر تعقيدا من ذلك، فلبنان غابة سلاح، سواء ما هو معلن او مخف من هذه الغابة، وليس من السهل على اللبنانيين تقبل الهزيمة بصدر رحب، وبطريقة حضارية، وتاريخ لبنان حافل بالامثلة في هذا الصدد.
المأمول ان يظل الصراع في اطره الديمقراطية الحضارية وان يقبل الجميع نتائج المشاورات التي بدأها رئيس الجمهورية ميشال سليمان يوم امس، لان هذا هو الطريق الاسلم لتجنب محاولات جر لبنان الى حروب وقلاقل ستلحق الضرر بالجميع، اللهم الا اذا قرر طرف من الاطراف، هدم المعبد فوق رؤوس الجميع بما في ذلك رأسه وطائفته.
الوضع في لبنان محتقن، بل هو في قمة الاحتقان، ومرشح لانفجار لا يعرف احد شكله او مكانه، او من يشعل فتيله.. وقد يتم هذا الانفجار بطريق الصدفة، او نتيجة لحادث عرضي، وعلينا ان نتذكر ان الحرب العالمية الاولى انفجرت بسبب اغتيال احد الامراء، وما اكثر الامراء في لبنان، سواء امراء الحرب، او امراء الاقطاع السياسي والعقاري.
الكثيرون في لبنان يجادلون بان الحرب الاهلية مستبعدة في الوقت الراهن بسبب الخلل الكبير في موازين القوى على الارض، حيث توجد قوة مهيمنة مسلحة ‘حزب الله’ وقوة ضعيفة في المقابل (تكتل الحريري)، ولكن ما هو غير مستبعد في رأينا تدخل قوى خارجية لتسليح الضعفاء، او خلق ميليشيا تعمل نيابة عنهم، وتلجأ لاعمال الاغتيال والتفجيرات، والمثل العراقي ليس بعيدا، بل ان ما حدث في نهر البارد واطراف طرابلس نفسها بعض الدروس في هذا الاطار.
من حق السيد الحريري ان يرشح نفسه لرئاسة الوزراء وان يصر على هذا الترشيح، ولكن من حق الآخرين ان يعترضوا ايضا، وان يكون لهم مرشحهم. وفي تقديرنا ان السيد الحريري تسرع في موقفه هذا، وربما سيكون وضعه افضل كثيرا لو قرر عدم الترشح، وقال للشعب اللبناني انه يتنحى من اجلهم ومن اجل لبنان كله، ولتجنب ازمة دستورية او حكومية، ولكن للسيد الحريري حسابات لا نعرفها.
الازمة التي يواجهها لبنان ليست في المفاضلة بين السيدين الحريري وميقاتي، وانما في مخطط امريكي ـ اسرائيلي يريد ان يستخدم تعقيدات الديموغرافيا السياسية اللبنانية لتسوية حسابات ضد قوى المقاومة. وهذا ما لا يريد بعض المتحاربين سياسيا على الساحة اللبنانية فهمه حتى الآن.