عادل أمين
ليس ثمة فرق يُذكر بين الشارعين اليمني والتونسي – والشارع العربي عموماً – من حيث شيوع الظلم والقهر وجنوح الحاكم نحو التفرد والاستبداد، وتزايد معدلات الفقر والبطالة وتصاعد لهيب الأسعار، لكن ومقارنة بما يعانيه الشعب اليمني يُعد التوانسة أفضل حالاً، كونهم حظوا بخدمات أفضل بكثير مما هي عليه في اليمن، ونعموا بقدر من الأمن والاستقرار، وشهد بلدهم طفرة تعليمية حازت إعجاب الجميع، ومع ذلك رفض التونسيون واقع الذل والقهر والتسلط، وحطموا قيود الظلم والاستبداد، وتمسكوا بحقهم في حياة حرة كريمة يكون الشعب صاحب الكلمة الأولى فيها، في حين أخفق اليمنيون في بلوغ ما يسمون إليه، على الرغم من أن الشارع اليمني (الحراك خصوصاً) يغلي منذ عدة سنوات. نجح الشارع التونسي لأنه حمل قضية وطنية جمعت كل شتات الشعب وراءها في الداخل والخارج، تلك القضية لم تلطخها دعوة انفصالية ولا مناطقية، ولم تلوثها العنصرية والسلالية المقيتة، وكان مستعداً للتضحية وجاهزاً لسداد فاتورة حريته وكرامته، وقد برهن للعالم ولكل الخانعين المسكونين بهاجس الخوف والقلق الأمني، الذين استمرأو استجداء مطالبهم من الحاكم أن الحقوق تنتزع ولا توهب.
ونجح التونسيون لأنهم توحدوا حول هدف واحد ومشروع تغييري واحد، فلم تتنازعهم القيادات، ولم تفرقهم المصالح، ولم تتجاذبهم الولاءات الضيقة، فوقفوا صفاً واحداً وجهاً لوجه أمام غريمهم، ولم يحل بينهم بينه شيء، وشرعوا في تصفية حساباتهم معه بشكل مباشر، فلم يصمد أمام إصرارهم وإرادتهم الجامحة في التغيير وفضل الهروب، ونجح النضال السلمي بالإرادة القوية وعدالة القضية ومظلوميتها، نجح بالحجر والصدر العاري والصرخة المدوية الشجاعة، وانطلقت صفارة البدء في هبة شعبية غاضبة وانتفاضة عارمة، وفي أقل من شهر تمكنت من اقتلاع أعتى نظام عرفته المنطقة العربية.
المثير للاهتمام، أن الشارع التونسي ثار بتلقائية، من دون أن يكون للنخب السياسية المعارضة أي فضل أو تأثير عليه، وتمكن بشكل مذهل من انجاز مشروعه التغييري في وقت وجيز، وهو أمر ربما لم تكن المعارضة تراهن على حدوثه بمثل هذه السرعة، والحق أن المعارضة تتحمل مسؤولية تخلفها عن ركب الشارع الذي سبقها بمراحل، وبالتالي فإذا ما تم التحايل على منجز الشعب أو جرى الالتفاف عليه من قبل طغمة النظام وزمرته التي مازالت ممسكة بمفاصل السلطة، وتحاول ركوب الموجة لتحقيق مآربها ومشروعها الخاص على أنقاض العهد البائد، فإن وزر هذا القصور والتقصير يقع بدرجة كبيرة على النخب المعارضة التي وقفت عاجزة طيلة الفترة الماضية من حكم بن علي، وفضلت عوضاً عن تحمل مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب التونسي، إما مهادنة النظام ومداراته، وإما الهجرة خارج الوطن تاركة الشعب وحده في مواجهة طغيان الحاكم واستبداده. وحين تغيب المعارضة أو تفضل الانزواء وتميل للمداراة وَتقْصُر همتها عن قيادة الشارع وتختار طريق السلامة، كما هي حال كثير من النخب السياسية المعارضة في بلداننا العربية، ساعتها تنقلب الصورة وتتبدل قواعد اللعبة السياسية، إذ تستقوي النظم الحاكمة وقتئذ بالشارع نفسه لترهيب معارضيها، كما هو حاصل اليوم في اليمن. لقد أسقط الشارع التونسي فرضية ‘عدم المراهنة على الشارع’، وأثبت باقتدار خطأ المراهنة على غيره، وقدم دليلاً ساطعاً على إمكانية إحداث التغيير المنشود بمعزل عن القوى السياسية، التي غالباً ما تكون لها حساباتها وطريقتها الخاصة في الوصول إلى ما تنشده من تغيير.
في اليمن ما زال الحزب الحاكم يكابر ويقامر، ويستميت في الظهور بشكل متماسك وكأن الأزمة التي تعيشها البلاد لا تعنيه، أو كأنها أزمة المعارضة وليست أزمة النظام، وهو يحاول خلق انطباع بأنه غير مكترث بما يقوله حلفاؤه الدوليون، أو بما يريدونه منه حتى إن كانوا الأمريكيين أنفسهم، وإن كانوا مجموعة أصدقاء اليمن الذين يتهيأون لمحاسبته في مؤتمرهم المقبل في الرياض، مطلع اذار/ مارس القادم، في الوقت الذي يمعن في تجاهل المعارضة ويقلل من قدرتها على فعل أي شيء، بدليل أنه عقب سقوط نظام بن علي مباشرة أعلن عدم صلته بمبادرة الشيخ محمد أبو لحوم لاستئناف الحوار مع المشترك، وقال بأنها لا تعنيه لا من قريب ولا من بعيد، وزاد مكابرة عبر رسالة بعث بها إلى أحزاب المشترك يُعلِمُهم فيها وبطريقة متعالية أن الانتخابات النيابية (27 نيسان/ أبريل 2011) أصبحت في طور التنفيذ ولم تعد موضوعاً للحوار، كل ذلك ليقول للمشترك أن المجتمع الدولي مهما كان تأثيره على اليمن فلن يذعن الحزب الحاكم لمطالبه، وأن ما جرى في تونس أمر لا يهمه، ولن يثنيه عن تغيير سياسته، وبالتالي فمن الخطأ التعويل عليه، فاليمن تظل دائماً استثناء من كل شيء.
والواقع أن الحزب الحاكم بات في مأزق شديد، وصار صعباً عليه أن ينزل عند مطالب المعارضة أو يتراجع تحت ضغوط شركائه الدوليين، خاصة بعدما أبداه من تشدد غير مسبوق تجاه معارضيه، بما في ذلك تعبئة الرأي العام المحلي ودفعه صوب انتخابات أحادية، في حين يعلم جيداً أنه لن يكون باستطاعته تمرير انتخابات أحادية الجانب مهما فعل، لذا فهو بحاجة إلى من يُخرجه من ورطته بما يحفظ ماء وجهه، وغير بعيد أن يجد المخرج عبر معاودة فتح ملف صعدة، واللعب مرة أخرى بهذه الورقة، ويتبدى ذلك من خلال اتصال الجانب اليمني بالوسيط القطري والشكوى من عدم تنفيذ الحوثيين بنود الاتفاق، وتصعيد صحيفة ‘الثورة’ في اتجاه من أسمتهم حفنة التمرد، متسائلة إلى أين تسير هذه الشرذمة التي أدمنت الإجرام والحرب والفتن والتلذذ بسفك دماء الأبرياء، على حد تعبير الصحيفة، مهددة في الوقت نفسه جماعة الحوثي بأنها ستتحمل كافة المسؤولية والنتائج المترتبة على عدم الامتثال لما أعلنت التزامها بتنفيذه، وأنها ستكون في مواجهة مع أبناء محافظة صعدة وحرف سفيان، بل وكافة مناطق اليمن التي لن يسمحوا لها – أي لجماعة الحوثي- بإعادة استنساخ الفتن، أو إعادة محافظة صعدة إلى نفس المربع الأول، (الثورة نت 13/1 ). التصعيد المتبادل بين السلطة والحوثيين، وتبادل الاتهامات بخرق الاتفاق والهدنة التي فرضتها الوساطة القطرية الأخيرة، ينذر بتجدد المواجهات بين الجانبين، خاصة أن كل طرف استعد للآخر خلال الفترة الماضية، وعلى الأرجح أن جولة جديدة من المواجهات في صعدة ستكون كفيلة بإيجاد المخرج المناسب من المأزق الذي تمر به السلطة، سواءً على جانب الانتخابات أو التعديلات التي لاقت ممانعة داخلية ورفضاً خارجياً صريحاً. وفي حال نشبت الحرب مجدداً فسيكون ذلك إذاناً بترحيل الأزمة برمتها إلى أجل غير مسمى، وبذلك يستطيع الحزب الحاكم التملص من تعهداته بإمضاء الانتخابات في موعدها المقرر، كما يستطيع الهروب من الإصلاحات السياسية والانتخابية، وحتى الدستورية التي يطالبه به معارضوه وشركاؤه الدوليون، كما ستثير الحرب الجديدة – في حال تفجرها – مخاوف شركاء النظام من احتمال انهياره تحت وقع ضربات الحوثيين وتصاعد الحراك السياسي في الجنوب، وتنامي نشاط ‘القاعدة’ في ظل أجواء محفزة، وهو ما يعني ـ وفقاً لما يؤمله النظام- تدفق المساعدات الخارجية عليه لإنقاذه من المخاطر التي تحيط به، على اعتبار أنه ما زال يمثل الضمان الوحيد لحماية مصالح شركائه كما يعتقد.
ومهما يكن الأمر، فسيناريو كهذا وإن كان متوقعاً إلاّ أنه لن يكون مضمون العواقب بالنسبة للسلطة، بل ربما يؤدي إلى نتائج كارثية ليس أقلها فقدانها للمزيد من الأراضي، وتقلص سيطرتها إلى أضيق حدود، وبالنسبة للمعارضة فإن ذلك لن يحول دون مضيها صوب مؤتمر الحوار الوطني الشامل للخروج بقرارات تاريخية، من المتوقع أن تعمل هذه المرة على تغيير الواقع السياسي وصناعة تاريخ يمني جديد.’ كاتب يمني