أيمن خالد الأرجح أن الصدمة في الدوائر الغربية مما جرى في تونس سوف تؤجل ملفات المنطقة، وسوف تؤجل خطط الأمريكان، وحتى اجتياح غزة هذا العام لم يعد ممكناً، ولا أظن أن هناك مواجهة داخلية ستجري في لبنان، بل على العكس تماماً، فالأيام القادمة سوف تحمل نتائج الصدمة، وهذا يعني أننا أمام سنة من الانتظار، ومزيد من الملفات المعلقة، وسنة من الحيرة، فالمخابر الأمريكية في عالم السياسة، هي اقرب إلى استبدال طواقمها من القيام بدفع المنطقة نحو مغامرات جديدة.
والأرجح أن الإدارة الأمريكية، ستعمل على إعادة صياغة الملفات وجعلها معلقة بلا حلول، وقد يكون من هذا الباب تعليق الأزمة اللبنانية، بغض النظر عن دفع وتطلعات بعض الأطراف الداخلية اللبنانية، فإذا كانت بعض أطراف المنطقة جاهزة لمغامرات عديدة، فالأمريكان غير جاهزين، وهم أقرب إلى التعامل بلطف مع القوى الليبرالية القادمة لحكم تونس، وتسهيل انتقالها وتسلمها لإدارة البلاد، مما يعني إعادة إنتاج نمط سياسي متميز في تونس، سوف تكون فيه تونس على المستوى السياسي، رائدة في التحرر، فالأمور في تونس تتجه نحو الاستفادة من المدرسة الغربية وصهر ثقافة المجتمعات الغربية في السياسة، لإنتاج نظام ليبرالي متعدد، سيكون أقرب إلى شكل الحياة السياسية في تركيا، غير أن ليبرالية تونس المرتقبة، مختلفة عن ليبرالية تركيا، لأن الجيش في تونس لا يسبب حرجاً لسياسة الحكومات في المنطقة، كما أن تونس لن تنكفئ على المستوى الداخلي.
لماذا كل هذا الافتراض في بلد لا يزال لم يبنِ خطوته الأولى في تكوين الدولة الجديدة، وبالطبع هذا سؤال منطقي، لكن المنطقي أكثر، أن حركة التاريخ تسير باتجاه هذا النوع من الحكم، وهذا النوع من السلطات، لأن المنطقة العربية، استنفدت على المستوى السياسي التجارب الأمريكية ومحاولاتها إعادة إنتاج المنطقة ضمن دائرة الفوضى الأمريكية، من العراق إلى اليمن، والسودان وشمال افريقيا، وحتى في المريخ، فمنطق الاستعباد الأمريكي والتجهيل وصناعة الحروب الصغيرة التي تغرق البلاد بأزمات كبيرة، كل ذلك يمكن أن ينجح في جلب استجابة السياسيين في المنطقة لهذا الفعل، غير أن العقل الشعبي والمزاج الشعبي، لا يستطيع أي عقل سياسي في العالم تحريكهما وفق هواه، فنحن في زمن المعلومة، التي باتت في كل بيت، ويمكن أن نقول ان ثورة تونس، هي ثورة المعلومة، بما تعنيه هذه المعلومة من تطور، وهي ليست ثورة الأحزاب التي تعمل وفق برنامج زمني وسياسي، مع تقديري واحترامي لكل القوى الحية.
الجديد ما بعد تونس، هو منطق المعلومة، وبالتالي فالناس تعرف إلى أين تذهب، والمعلومة بالطبع تمارس دور الرقيب في ظل وجود الحرية، واعتقد أن الأيام القادمة سوف تكشف لنا عن أسماء كتاب ومفكرين من تونس، سيعملون على تقديم نماذج في الفكر، تذكرنا بأحمد داوود أوغلو، وبالطبع، فالتجربة التركية هي مجرد تجربة مكاشفة، وتقديم حقائق واضحة للرأي العام، وهو الذي خلق هذا الجو والنهضة الكبيرة في تركيا، ومع نهاية الاستبداد في تونس، فعلينا أن ننتظر من هذه الدولة الصغيرة نسبياً دوراً كبيراً، فلا توجد قوى في تونس تستطيع ممارسة التضليل على الشعب، وعندما يعرف المواطن أين يضع قدمه، ففي كل أرض حرة، هناك مصانع للرجال، فنحن لسنا أمام ثورة عفوية لمجتمع من العبيد بقصد صناعة الحرية، وإنما نحن أمام نموذج صنعته المعلومة.
بخلاف ذلك ففي لبنان مهما كان للمعرفة والمعلومة والعلم من دور، فإن الاستفادة من هذا الأمر موضوع مؤجل، لان المشكلة في التفكير ضمن العقل الطائفي، وبرأيي ان أي قوة مهما عظمت، عندما تفكر بمنطق الطائفة، هي تحمل ضعفها في داخلها، لان الكون والحياة ومنطق الحياة هو اكبر من منطق الطائفة مهما كبرت، وباختصار اللبنانيون خارج لبنان هم لبنانيون مبدعون، ولكنهم عندما يعودون إلى لبنان، هناك من يضعهم في صندوق الطوائف، وهذا الصندوق لا ينفعك فيه علمك ولا إبداعك.
في فلسطين، عندنا مشكلة صعبة، فالأحزاب تحولت إلى طوائف (سياسية) بمعنى أن الحراك الداخلي للحزب أو الفصيل في الساحة الفلسطينية، يجري وكأن هذا الفصيل أو ذاك هو طائفة بعينها، فالانتقال من فصيل إلى آخر مسألة عظمى، يشبه خروج الرجل من طائفة دينية الى أخرى، والنقد السياسي بين الفصائل لبعضها البعض، او البناء الداخلي، يقوم وفق النظريات التي تحكم الطوائف، فهناك في كل فصيل أو حزب حركة سياسية داخلية، تصنع سيلا من المقدسات التي لا يجوز المساس بها، وهذه المقدسات هي في الأغلب غير مرتبطة بفلسطين وقضيتها، بمقدار ما هي مرتبطة بقضايا هذا التنظيم أو ذاك، فالعدوى اللبنانية أصابتنا بالصميم. الأرجح أن التغيير القادم هو في الأردن، ولن يكون الصراع تحت قبة البرلمان، لأن مشكلة الأردن القادمة، تتمحور في الدور الأمني الأردني، والعلاقة مع إسرائيل وأمريكا، وانكشاف هذا الدور من العراق إلى أفغانستان، وحتى التشويش على قناة رياضية مثل الجزيرة، والسؤال الذي سيحرك الناس، ما هي وظيفة هذه الدولة في هذا المكان من الكون، وما علاقة الحرب ضد طالبان بالخبز اليومي، وحتى شرب الماء، فمعاهدة وادي عربة، منحت إسرائيل مياه وادي عربة لـ99سنة، وفرضت على الأردني أن يصلي صلاة الاستسقاء.
أضيق عقل في الدنيا هو التفكير بالعقل الطائفي، والطائفة لا تعني برأيي حركة أو نموذجاً دينياً للعبادة، فالطائفة هي مجموعة من الناس قرروا ألا يفكروا، وأوكلوا لزعمائهم هذه المهمة، فالطائفة يمكن أن تكون حزباً أو دولة، والطائفة هي كل تجمع بشري، يرى نفسه فوق البشر.
الأمريكان مأزومون، ولكنهم مرتاحون، والسبب أننا مثلهم في أزمة، لكن سبب راحتهم أن التفكير عندنا مؤجل.’ كاتب فلسطيني