بيروت – ‘القدس العربي’ ـ من سعد الياس: على وقع انفجار الاحتقان السني في الشارع، وتوسع حجم التحركات الشعبية والاعتصامات المفتوحة لمناصري تيار المستقبل احتجاجاً على ‘مصادرة الارادة الشعبية’، وما رافقها من سقوط عدد من الجرحى، يسير الرئيس المكلف نجيب ميقاتي الى السراي فوق الغام عدّة، متسلحاً بـ 68 صوتاً نيابياً من اصل 128 فيما نال منافسه الرئيس سعد الحريري 60 صوتاً. وهكذا تكون قوى 14 آذار فقدت 11 نائباً انتقلوا الى ضفة 8 آذار وهم 7 نواب من جبهة النضال الوطني برئاسة النائب وليد جنبلاط والنواب نجيب ميقاتي واحمد كرامي ومحمد الصفدي ونقولا فتوش.
وسيبدأ الرئيس ميقاتي استشارات تشكيل الحكومة يوم غد الخميس بعدما أعلن انه سيشكل حكومة تحمي العيش المشترك وتلتزم اتفاق الطائف، متطلعاً الى تعاون جميع الاطراف معه، وسط إصرار تيار المستقبل على عدم المشاركة في حكومة لبنانية يرأسها ‘مرشح لحزب الله والمعارضة’، فيما اكد رئيس مجلس النواب نبيه بري من قصر بعبدا ان ‘المهم هو العودة الى المسلك الدستوري والمؤسسات’. وفيما عبّرت سورية عن ارتياحها الى نتائج الاستشارات، نبّهت اسرائيل من ان ‘سيطرة حزب الله على لبنان ستكون لها تداعيات بعيدة المدى من ناحية النشاط الدولي’. اما الولايات المتحدة الامريكية فأعلنت انها تحتفظ بحقها في الحكم على الحكومة الى حين تأليفها. وذكّرت بموقفها من حزب الله ورأت فيه ‘تنظيماً ارهابياً ولدينا قلق كبير من حكومة يضطلع فيها حزب الله بدور كبير. ومن الصعب علينا ان نتخيّل اي حكومة تمثل لبنان بكامله، اذا كانت هذه الحكومة مستعدة للتخلي عن دعمها المستمر لعمل المحكمة الخاصة بلبنان’، مبدية الرغبة في ‘بروز حكومة تواصل دعم عمل المحكمة الخاصة وانهاء حقبة الحصانة في لبنان ضد الاغتيال السياسي، وتصون استقلال لبنان وسيادته’. بدورها، عبّرت فرنسا عن قلقها الشديد إزاء الوضع في لبنان، بعد التظاهرات التي تخللتها أعمال عنف وشغب في البلاد. ودعت الى ‘الهدوء وضبط النفس’. وشددت على ضرورة ان تكون الحلول التي ستقدم للازمة الحالية مبنية على الحوار والسعي الى التوافق وان تلبي توقعات وتطلعات كل الاطراف بما في ذلك احترام استقلال لبنان وسيادته.
في غضون ذلك، توقف المراقبون عند خطورة الشعارات التي رافقت التحرك الاحتجاجي في ‘يوم الغضب’ ورأوا فيها تأجيجاً للفتنة المذهبية. وذكرت مصادر امنية ان الجيش كثف من اعمال الدورية لمنع اية مواجهات بين المتظاهرين السنّة من جهة وانصار امل وحزب الله من جهة ثانية، وخصوصاً في المناطق التي تشكل تماساً طائفياً ومذهبياً بين الطرفين.
ومن الشعارات التي رفعت في أكثر من منطقة وخصوصاً في طرابلس قول أحد الخطباء محمد سلام ‘استفاق المارد السني، إسمعني يا بشار لن تحكم لبنان، ليسمعني نجاد فهو لن يحكم لبنان وربّ الكعبة، لن يحكم لبنان لا هو ولا وكيله في لبنان، لا يرهبنا سلاح نحن اخترعنا السلاح، رجالنا تكتب الله أكبر، نحن حصان عربي لا يحكمه فارسي. أقول لـ14 آذار لا يكفينا ألا نشارك في حكومة بل يجب أن يُمنع تأليفها’. وقال النائب السابق مصطفى علوش في هجوم على السيد نصرالله ‘يريد الجندي في ولاية الفقيه أن يفرض ارادته وأن يسمي الرؤساء، اليوم تحدث عن رئاسة مجلس الوزراء وبالامس فرضوا ارادتهم في رئاسة الجمهورية. لن نقبل ضمّ لبنان الى المحيط الفارسي، إننا لهم بالمرصاد’. وكانت تلك الخطابات تُستتبع بهتافات من المتظاهرين جاء فيها ‘عمر، عثمان، أبو بكر وعلي… دم السنة عم يغلي غلي’، ثم ‘يا ميقاتي انزل انزل… هيدي الكرسي بدا رجال، وإيه ويللا نصرالله إطلع برّا، الله حريري لبنان وبس’. وفي ضوء خروج تظاهرة ‘يوم الغضب’ عن طابعها الديمقراطي والسلمي، ناشد رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري اللبنانيين ‘التزام اعلى درجات الهدوء والحذر والتنبه الى مخاطر الانجرار وراء بعض الدعوات المشبوهة’، داعياً ‘الى اعلاء الخطاب الوطني فوق كل خطاب خصوصاً عندما تصل مشاعر الغضب الى الذروة’. وشدد على ‘وجوب عدم اعطاء اي كان ذريعة اللجوء الى الشارع في بت الخلافات السياسية’، مؤكداً ‘ان الهدف ليس التواجد في السلطة او العودة الى رئاسة الحكومة لأن كرامة الوطن والمواطنين أغلى من كل مواقع السلطة’. في المقابل، أكد الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ان ‘التهويل على رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي لن يجدي نفعاً’، مشدداً على ان ميقاتي ليس مرشح ‘حزب الله’، ومعتبراً ان ‘القول إنه مرشح الحزب محاولة للضغط عليه وهذه الكلمة مفهوم منها التحريض المذهبي، ولقد وجدت المعارضة في ترشحه فرصة لكسر التحدي وفرصة للبلد فتبنته’. وسأل ‘اذا كان التظاهر وقطع الطرقات حقاً شرعياً فلماذا تدينون المعارضة عندما تخرج الى الشارع’، ولفت الى ‘ان من يتحدث عن احترام الشرعية اللبنانية والغالبية والمؤسسات الدستورية سكت’. وردّت مصادر 14 آذار على موقف نصرالله بقولها ‘ما جرى في الشارع جاء في اطار رفض سياسة الاملاءات الخارجية على لبنان التي ينفذها حزب الله فيتحكم بمفاصل الدولة تنفيذاً لأجندة اقليمية’. وقالت ‘ان امام الرئيس المكلف مشواراً طويلاً وصعباً والأسئلة تتزاحم من دون اي اجوبة واضحة عليها. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: هل سيستطيع ان يقلّع بحكومة من لون واحد؟ هل سيستطيع تجاوز المشكلة السنية الكبيرة التي واجهته في بيته السني قبل تسميته وأثناءها وما هو متوقع في الأيام القليلة المقبلة من تطورات تجعله في موقع لا يحسد عليه؟ كيف سيواجه الرئيس المكلف القرارات الكبيرة التي تطالبه بها الأكثرية الجديدة على مستوى التعاطي مع المحكمة الدولية تحديداً؟ وهل سيكون قادراً على مواجهة المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي وكيف سيتعاطى مع قرار سحب القضاة اللبنانيين من المحكمة؟ وهل ستتوقف المحكمة عن العمل إذا اوقف لبنان تمويلها خصوصاً ان حصته يمكن ان يسددها اي متمول صديق؟
الى ذلك، أعلن مجلس المفتين في لبنان، عن قيامه بمسعى مع الرئيس نجيب ميقاتي ‘لدرء الفتنة في لبنان في ضوء الاستشارات النيابية لتشكيل حكومة جديدة’. واشار المجلس في بيان أصدره بعد اجتماع طارئ في دار الفتوى الى ‘ان اعضاءه زاروا الرئيس ميقاتي في مكتبه في منطقة ستاركو، وسلّموه نص بيان مجلس المفتين الذي كان حذّر من ‘تجاهل الأكثرية السنّية والأكثرية النيابية’، وناشد رئيس الجمهورية عدم السماح ‘للثأريين بالمضي في مخططهم’. وطالب اعضاء مجلس المفتين الرئيس ميقاتي ‘اتخاذ الموقف المناسب لدرء الفتنة، وتجنيب لبنان الدخول في الفوضى، والوقوع في فخ المؤامرة التي تُحاك ضد اللبنانيين وخصوصاً المسلمين’. وبعد اللقاء توجه اعضاء مجلس المفتين الى دار الفتوى حيث التقوا مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، وأطلعوه على نتائج مباحثاتهم مع الرئيس نجيب ميقاتي في كيفية الخروج من الازمة التي بدأت تتفاقم بعد اعلان ترشحه لتولي رئاسة الحكومة.