يروي الحديث الشريف في صفات أهل الجنة الجسدية أن
أطوالهم توازي طول آدم عليه السلام الذي كان طوله ستين ذراعا، والذراع نصف متر، مما يجعل طول سيدنا آدم بحسابنا المتري يقارب الثلاثين مترا، وجاء في القرآن أن سيدنا موسى قتل رجلا خطأ بوكزة، وأن سليمان أُوتي بسطة في الجسم، وتبدو هذه حقائق صادمة في ضوء تغيير التكوين الجسدي للرجال، خصوصا الذين يعدون مقارنة مع أسلافنا أقزاما وهياكل عظمية. ولا يخفى الارتباط في الأغلب الأعم بين التكوين الجسدي للإنسان وصفاته وبين خَلقِه وخُلقه، ولقد شاعت في المجتمع تعميمات خاطئة تربط بين قصر الطول مثلا والمكر، فقيل: احذر كل من اقترب من الأرض، وبالمقابل كانت المزحة السائدة تقول: كل طويل لا يخلو من البله. وقديما كانت صفات الرجولة متمثلة بقوة الجسد وامتلائه وبروز العضلات وكثافة الشعر، وقوة الشكيمة، والفروسية والكرم، ورفض الظلم، وكانت السير تبالغ في وصف قوة الأبطال من أمثال عنترة وأبطال السيرة الهلالية الذين وصف زكريا أحمد أحدهم وهو أبو سعدة الزيناتي خليفة في أغنيته عن أبطال السيرة فقال: يا مداحين يا مداحين يا مداحين قولوا على أبا سعدة الزيناتي خليفة ابا سعدة فارس معدود وعلى صيته بايت محسود من سيرته شاب المولود على شنابو يقفوا صقرين على ذراعه يقفوا سبعين على كتافو يبنوا قصرين يا صلاة الزين على الامراء فهل في تغير صفاتنا الجسدية من طول وعرض وارتباطها بتغيرأخلاقنا مجرد تطور بشري يتناسب مع سنن الكون التي تبدأ ظواهره ومكوناته كبيرة مشتعلة ومكتملة، ثم تبدأ بالتناقص وتخبو حتى تصل النهاية وهو ما وصفه القرآن بالانتكاس في الخَلق ‘ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون’، وهذا في حال الكبر والهرم الذي ينتقل فيه الإنسان من حال القوة الى الضعف ومن حال الشباب الى الشيبة، أم أن اختفاء معالم الرجولة يرتبط بواقع حياتنا وما بلغناه من تردٍ في أوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية؟ وهل الرجولة خشونة أحبال صوتية وجسد ممتلئ شعورا وشعر أجعد أم هي فقدان هذه المعالم كلها، التي يعاني منها كثير من شباب العرب هذه الأيام الذين إذا نظرت إليهم لم تعد تميز ذكرهم من انثاهم الا بعد التدقيق والتفحص. وهل الذكورة تستلزم معنى الرجولة أم قد يستوي أن كل رجل ذكر وليس كل ذكر رجلا. والرجولة الحقة أكثر من مظهر خارجي تحدده عوامل وراثية ليس للإنسان دخل فيها، ولكن الرجل مدعو أن يكتسب مظهر الرجولة ببناء جسده وتعويض النقص، لذا مدح الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي لأنه أحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، وندب عمر الى تعليم الأولاد الرماية والسباحة وركوب الخيل، وشدد القرآن بالإضافة على أوصاف الرجال الخُلقية، ومنها ذكر الله والخوف منه وإيثار الدنيا على الآخره في قوله تعالى ‘في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار’، والطهارة المادية والمعنوية في قوله تعالى’لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يجب المطهرين’، والصدق في قوله ‘من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه’، وأثنى الرسول على رجولة خُلق عبد الله بن مسعود، على الرغم من دقة ساقيه اللتين تزيدان في ميزان الله على ثقل جبل أحد، وقال إن الشديد من الرجال الذي يملك نفسه عن الغضب والذي يكف عن أعراض الناس وما تغنج الرجال ولا تنعموا في تاريخنا الا عندما كانوا من الغلمان، وهم فئة مستنكرة لم تعد من الرجال الأحرار، وكانوا يعرفون بالشعر المسدول والجسم المصقول وبالمبالغة في الطيب والزينة ولبس الحرير، ومن يقرأ في سيرتهم ووصفهم سيعلم أنهم عادوا الى الحياة بقوة في شباب العرب الذين أصبح شكلهم ولباسهم غير واضح المعالم والهوية بل ويتشبهون، ونأمل انه عن جهل، ليس بالغلمان فقط بل بالسجناء بارتدائهم بناطيل الخصر الساحل وتسقيطها، وهي ظاهرة بدأت في السجون الأمريكية إذ لم يكن يسمح للسجناء بارتداء الأحزمة على البناطيل مخافة أن يستخدموها في شنق أنفسهم أو ايذاء غيرهم، وانتقل هذا النمط البائس وأصبح موضة بين فئات الشواذ يلبسونه للإعلان عن أنفسهم واجتذاب من هم على شاكلتهم، ويلبسها شبابنا ويقولون انها حرية شخصية وتقدم، وأي تقدم هذا الذي يجعل المرء مصنفا مع حثالة المجتمع من الشواذ والمجرمين. وبمقابل أحوال شبابنا المأساوية من ناحية رجولة المظهر والمخبر نجد أن العدو الصهيوني ركز قبل وبعد احتلال فلسطين على بناء الجسد وإبراز وتسويق صورة الرجل الاسرائيلي في أقوى وأعظم صورة ممكنة إظهارا للقوة وإرهابا للغير وكتب ماكس نوردو، أحد أصدقاء هرتزل المقربين مقالا بعنوان ‘العضلات اليهودية’ قال فيه بأن على اليهود إحياء صورة آبائهم الأوائل مفتولي العضلات، وأنشأ اليهود في أوروبا وبداية في برلين عام 1903 أندية رياضية لبناء الأجسام وتدريب اليهود الأقوياء الأشداء! فلا يقولن أحد بعد هذا ان مظهر الرجولة مجرد خرافة لا معنى ولا قيمة له. في السيرة الهلالية قالوا بأن أبا سعدة الزيناتي خليفة بُني على كتفيه قصران، فماذا سنبني على أكتاف شباب اليوم، وهل تحمل الأكتاف أي بناء عليها؟ د. ديمة طارق طهبوب