وهل على وجه هذه الدنيا محروسة غيرها؟ فهذه هي مصر أم الدنيا، وهذا هو قدرها المكتوب على جبين أهلها وناسها الطيبين، أكثر من سبعة الآف سنة من التاريخ يريدون لها أن تترنح اليوم في عتم الليل وهي تحاول البحث عن مستقبلها الذي يصرالبعض على أن يبقى مجهولا وضائعا بين كسرة خبز وقطرة ماء.
ولكي تبقى البطون جائعة والأرواح عطشانة.’مصر التي تكاثرت فيها عصابات القطط السمان، ورموز الفساد والسلب والنهب، لدرجة التباهي بإمكانية سرقة مياه النيل الخالد وإيداعها في حساباتها الخاصة، و بقدرتها أيضا على سرقة الأهرامات وأبو الهول، ولذلك لم يبقى في رصيدها خط أحمر واحد إلا وتجاوزته وداست عليه، وهكذا وعلى ظهر هذا المصري الغلبان بنوا قصورهم وصنعوا أسطورة الجشع والظلم والقهر والتي باتت تتحكم في كل ما يتحرك على أرضها.
أطعموهم لحم الكلاب والحمير بالعلب المستوردة، ووضعوا لهم كل حشرات الدنيا في رغيف العيش، أحضروا كل ما في الدنيا من دم ملوث ونقلوه إلى أجساد شعبها الصابر، سرقوا منهم كلاهم وصدروها عبر تجارة الأعضاء من اجل الدولار الأخضر، وتناثر اللحم المصري على سكك الحديد جراء حوادث القطارات التي ما عادت تناسب الإستخدام البشري، تنهار المباني وتتساقط صخور الجبال فوق الرؤوس المسحوقة، حاربوهم بسلاح الطائفية عبر دق الأسافين بين المسجد والكنيسة، فرضوا عليهم الوقوف الإجباري في شوارعها بسبب الإزدحام حتى صار الواحد منهم يحاكي نفسه ويقول إلى أين المفر؟
جمعوا كل العسس من هذه الدنيا وزرعوهم في أحيائها لرفع التقارير عن كل تذمر أو شكوى، وحتى الضحكة والإبتسامة لا بد من التحقيق في أسبابها ودواعيها، وأصبح الصف الأول محجوزا في كل مساجدها لعناصر المخابرات والأمن، فالأول يسجل ما يقوله الإمام والثاني يحسب له عدد أنفاسه وإن كانت قد تجاوزت الحدود المسموح بها، وراحوا يراقبون الأمهات وماذا يرضعن أطفالهن، ووقفوا على الأبواب للتنصت على قراءة القرآن في البيوت بعد أن أصبح في مقدمة الممنوعات والمحظورات.
وأصبح الحجاب تهمة، وتقصير الثوب وإطلاق اللحى قاعدة وإرهاب، أقاموا الحواجز على أبواب الجامعات للتفتيش على طلبتها حتى لا يكون بين صفوفهم عناصر مندسة، ووصلت أيديهم الطويلة إلى الأزهر الشريف وشيوخه وأعطوا لأنفسهم الحق في وضع العمامة أو رفعها عن رؤوس العلماء وذلك حسب الفتوى وطبيعتها وإن كانت تروق للسلطان أو تغضبه، عاثوا فسادا في أكثر من أربعة وعشرين نقابة مهنية ومنعوا عليها ممارسة الإنتخابات لأن التوظيف والتعيين أسلم لهم وأضمن، و يحاسبون المواطن على الغاز الخارج من مؤخرته ولا يبالون في إعطاء الغاز المصري بالمجان للصهاينة.
التسليم بالجلوس المؤبد على كرسي الحكم للرئيس وبدون نائب أصبح الفريضة التي لا مفر منها، أباحوا للشعب ممارسة الحق الإنتخابي، شريطة أن تضع الأجهزة الصناديق المعدة مسبقا، لضمان فوز مرشحين الحزب الحاكم بكل المقاعد، ولأنهم لا يريدون أن يكون بينهم صوت معارض يقلق راحتهم وهم نيام على مقاعد مجلس الشعب.
ولأنهم لا يريدون لها أي تأثير في محيطها العربي والإسلامي كبلوها بالقيود الأمريكية والصهيونية، وراحوا يفرضون الحصار الجائر على غزة وشعبها تنفيذا للتعليمات، وأصبحت إيران هي العدو اللدود، وإسرائيل ‘ هي الخل والصديق الوفي الذي لا يرفض له طلب أو أمر. مصر التي سرقوا الدمعة من عيونها وأدخلوها في السجن الكبير وأغلقوا عليها كل الأبواب ماضية في طريقها نحو الإنفجار والثورة والتمرد على هذا الواقع المأساوي، كل هذه المعادلات ستتغير ولا بد لها من الإنقلاب رأسا على عقب، هنالك خميرة في العجين المصري، ويوم الدخول إلى الفرن يقترب. فقراء الوطن العربي وكل المسحوقين من شعوبه ستبقى أبصارهم مشدودة بإتجاه مصر، فكسر القيود وتقطيع السلاسل الذي ننتظره وعلى أحر من الجمر من شعب مصر، من الطبيعي أن يشكل بداية طبيعية للمنعطف الإستراتيجي الكبير الذي ستصنعه كل شعوب هذه الأمة العربية الصابرة على البؤس والشقاء الذي جره حكامها وحكوماتها التابعة والعميلة والذليلة.’مصر المحروسة لن يطول حبسها لأنها تغلي من داخلها، فالأيدي التي حفرت وشقت القناة لا بد أن تتهيأ للمعركة القادمة، فهي المرشحة لتحرير مصر وكل الأمة، وهذا لا نشك أبدا في حصوله مهما طال الزمان وإبتعد، لأن التفاؤل بطاقات الأمة يبقى شيمة من شيم الأحرار والشرفاء!
د.
امديرس القادري