شبت الثورة التونسية وفاجأت الديبلوماسيين قبل المتتبعين العرب والأجانب بلا استثناء، فقد حصل من جراء سبق الشعب التونسي ما يشبه فوز حصان لم يراهن عليه أحد أبدا بسباق عريق وشهير تكثر فيه الخيول المرشحة بقوة. وباستثناء الفترة التي امتدت من انطلاق الاحتجاجات الشعبية إلى غاية الفرار المَهين لـ’بن علي’.باستثناء تلك الفترة التي زاد خلالها المتنبئون بسقوط النظام وكنت منهم في مقال مرسل إلى القدس العربي بأكثر من أسبوع قبل سقوط بن علي حيث كتبت بالحرف: ‘لقد ولّد الضغط والقهر والنهب موجة من ‘الانتحارات المتسلسلة’ هي عبارة عن ‘انفجارات باطنية صغيرة’ مرشحة بقوة لأن تتمظهر لاحقا على شكل عنف شامل لا قدّر الله’، ولكن الله شاء فقدر، فشاء الشعب التونسي وانتصر، ولم يبق بين الحفر، وقد فكر بن علي وقدر طيلة ما يفوق العقدين، فكر وقدر فسقط كيف قدر، لكن أذنابه لم يسقطوا، بل ويريدون أن يعكسوا الوضع لصالحهم، دون خوف أو وجل من أن ينالهم أكثر مما نال بن علي وأسرته وبعض أصهاره، صحيح أن الثورة يصنعها الأبطال ويجني ثمارها الأنذال! صحيح أيضا أنه يجب النظر إلى طبيعة وتقلبات الفسيفساء السياسية الداخلية بتونس لمعرفة مآل الثورة التونسية وحظوظها في الاستمرار وكذا حظوظ الشعب التونسي في استثمارها الاستثمار الأمثل، لكنه يجدر بنا أيضا في اعتقادي أن نلتفت إلى السياق الماكرو- استراتيجي المتعلق بتوازنات وتقلبات السياسة الدولية على اعتبار أن تونس بلد متعدد الانتماءات فهو بلد عربي وإسلامي وإفريقي ومغاربي ومتوسطي، وأهم من هذا وذاك فهو ضمن ‘الشرق الأوسط الكبير’، وقد كان ويراد له أن يبقى أحد مكتسبات مشاريع الغرب من محاربة الإرهاب إلى الشرق الأوسط الكبير مرورا بالاتحاد من أجل المتوسط (ربما لذلك حرك الغرب خلاياه النائمة بتونس)، فقد كان الغرب دائما وما زال منفلتاً من عِقال المبادئ الكونية وضوابطِ القيم الإنسانية، جرّب الحقبة الاستعمارية، فاستفاد منها أيَّما استفادةٍ باستحواذه على خيرات ومقدّرات الشعوب المستضعفة واستنزافها وتهجير الأيدي العاملة والطاقات البشرية والفكرية لتسخيرها لديه، وتمكن على ضفتي الأطلسي خصوصا، من إرساء أسس بنية تحتية متينة ودعائم اقتصاد قوي، مما ساعده إلى جانب استعمال المستعمرات كحقولِ تجاربَ نوويةٍ وكيماوية، على تعزيز تفوّقه وهيمنته العسكرية والاستراتيجية. ولولا ما اكتسبته الدول الأوروبية وباقي الدول الغربية من غنىً و’مناعة’ اقتصادية وما راكمته من ثروات منهوبة وما استعبدته من شعوب مغلوبة، لَمَا استطاعت أن تتعافى بتلك السرعة من آثار حربين مدمرتين كالحربين العالميتين الأولى والثانية، ومن ثم فإنها لم تكن لتنهي الحقبة الاستعمارية البغيضة لو لم تندلع المقاومة الشعبية وينتشر الفكر المقاوم كالنار في هشيم المستعمرات المنهوبة. أنهى الغرب الحقبة الاستعمارية مرغما، لكنه لم يفُتْه أن يزرع بالمستعمرات كل ما من شأنه أن يُضعفها ويعرقل مسيرتها ويهدد وجودها كدول مستقلة، زرع الغرب الفقر بالنهب والأمراض بالتجارب، وزرع الألغام الحقيقية وألغام التفرقة والتنافر الطائفي، وأخطر من ذلك كله زرع التيارات المتغربنة وزرع دويلات هجينة مصطنعة ليست إسرائيل آخرها، وزرع أنظمة ‘وكيلة’ على ‘مصالحه’ التي لا يدري أحدٌ كيف اكتسبها في كل مكان من العالم. ورغم الإنهاء القسري للحقبة الاستعمارية (مع استثناءات منها استمرار احتلال مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية المغربية من لدن إسبانيا وجزر المالفيناس الأرجنتينية من لدن بريطانيا..) فإن الفكر الاستعماري بنزوعاته الاستعلائية والانتهازية، ظل قائما لدى النخب الفكرية والسياسية الغربية، بل إن تلك النزوعات قد ازدادت حدة وانتشارا منذ العودة القوية لصقور المحافظين الجدد بأمريكا ولليمين المتطرف المجاهر بالعنصرية والاستكبار بأوروبا، كما ازدادت حدة نزوعات الغرب الاستعلائية الانتهازية بتنامي موجة الإسلاموفوبيا والإساءة للرموز الدينية والتضييق على حرية التديّن ومعاداة الأجانب في الغرب بأكمله. أما ديمقراطية الغرب وتشريعاته المتطورة التي تبدو نظريا ذات أبعاد ‘أخلاقية’، فقد بقيت ذات طابع محلي وللاستهلاك البيني بدليل استثناء ‘الآخر’ منها ولو اكتسب صفة المواطنة بالغرب فبالأحرى أن يكون أجنبيا، وإذا كانت تلك الديمقراطية وتلك التشريعات قد أسهمت فعلا في مزيد من التطور العلمي والتقني والتفوق العسكري للغرب فإنها لم تنجح أبدا في تليين النزعة التوسعية و’الهيمنية’ لدى معظم شعوبه وساسته، لتترك مكانها، وبالأخص خلال العقد الأخير، لجاهلية قديمة- جديدة هي مزيج من العنصرية والذاتية المفرطة واحتقار الآخر ونفي حقه في الحياة وحقه في التملّك والثقافة الخاصة وحرية التصرف والمعتقد. وكان طبيعيا أن ينهج الغرب الاستعماري مضافة إليه صنيعتُه إسرائيل، بعد إتمام عملية زرعها في أواخر الحقبة الاستعمارية، نهجا يختلف عن النهج المباشر للحقبة الاستعمارية ليتجنب الاحتلالَ الطويل الأمد الذي جعلته ضراوة ونجاعة المقاومات مكلفاً ماديا وبشريا، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية وما زالت رائدة في هذا المجال، فتمّ ابتداع أساليب جديدة من ضمنها: 1. ما يسمونه ‘العمليات الجراحية’ وهي الهجوم الوحشي الخاطف غالبا بالأسلحة الفتاكة المحرمة دوليا (نيكاراغوا، بنما، مالفيناس، يوغوسلافيا، لبنان، غزة…) 2. الغزو القصير الأمد مع تقسيم البلد (الصومال، وبشكل ما العراق باعتبار شبه انفصال الأكراد)، أو على الأقل تنصيب حكومة صورية عميلة ولو على جزء من البلد (فيتنام على الخصوص). 3. استقطاب الأنظمة القائمة ولو كانت شمولية لتنصاع وتخضع للابتزاز وتستجيب للإملاءات وتقدم التنازلات المؤلمة السالبة للسيادة كالمساهمة في إضعاف أو حصار الأشقاء من خصوم الغرب، أو المشاركة في مشاريعه المكلفة كالحرب الهلامية على الإرهاب، أو القبول بالتواجد الغربي بقواعد عسكرية دائمة. ومنذ ما يقارب العقد من الزمن عملت أمريكا وربيبتها إسرائيل وباقي الرعاة الغربيين ‘ لبقرة السلام الحَلوب’، عملوا جميعُهم جاهدين وما زالوا على استعمال الأساليب السالفة الذكر لتنفيذ مشروع ‘الشرق الأوسط الكبير’ المسنود بمشاريع جزئية كمشروع ‘الاتحاد من أجل المتوسط’ ذي المرامي السياسية والعباءة الاقتصادية- البيئية. ومعلوم أن مشروع الشرق الأوسط الكبير، ذلك المشروع الطويل الأمد (والطويل النفَس أيضا) لم يكن يعرف تعثرا إلا بمنطقتين تعرفان مقاومة وممانعة ملحوظة هما أفغانستان وفلسطين وما حولهما، وما مسألةُ انخراطِ باقي دولِ المنطقة سوى تحصيلَ حاصل وليست إلا مسألة وقت لا أكثر. كان ذلك قبل أن تندلع شرارة الثورة التونسية غرب ‘الشرق الأوسط الكبير’. فهل سيمضي التونسيون بالثورة إلى متمها لتدق تونس إن هي صارت واحة ديمقراطية واستلم الشعب العربي المسلم زمام مصيره، مسمارا جديدا في نعش مشاريع الغرب الهيمنية؟ وهل يتعظ القادة و’الزعماء’ العرب في الحكومات والأحزاب والنقابات وغيرها، من الدرس التونسي ويتّقوا يوما عسيرا كيومِ فرار بن علي، يوم لا ينفع منصبٌ ولا مالٌ ولا بطانةٌ، إلّا مَنْ أتى الشعبَ بحكم رشيد؟ عبد اللطيف البويدي – المغرب