شمس العرب تشرق من الغرب

حجم الخط
0

انيس فوزي قاسم انها احدى المفارقات العربية؛ اذ تشرق شمس العرب من المغرب العربي، بل ومن أصغر دولة. هذه هي رسالة شعب تونس المجيد الى العرب في مشارقهم ومغاربهم: ان عهد تقويض أنظمة الديكتاتورية وامبراطوريات الفساد حان، وأصبح بامكان الشعوب العربية الانتصار، وما عليها الاّ ان تخرج الى الشارع وتردد مع ابي القاسم الشابي: اذا الشعب يوماً اراد الحياة. لم تخرج جماهير تونس لا على البيان رقم (1) الذي يصدر عن قادة الانقلاب من العسكريين المغامرين، ولا على نداء من ‘القائد الضرورة’، ولم تندفع استلهاماً لمبادئ ‘الحزب القائد’. تدفقت هذه الجماهير التونسية مثل هدير تسونامي، مشحونة بالقهر السياسي الذي مارسه السلطان عليها، ومدفوعة بالحاح اطفالها للقوت والحليب والدواء. تعلمنا انتفاضة تونس دروساً عديدة بسيطة على الفهم والاستيعاب، وعميقة المضمون والمغزى. تعلمنا ان الديكتاتور، مهما بنى من مؤسسات أمنية وأجهزة قمعية وأقام مؤسسات اعلامية مرئية ومكتوبة، وجنّد نخباً من الكتاب وحارقي البخور تزين له العنف والجبروت، الاّ انه يعيش حالة هلع وخوف، وما بناه من مؤسسات ثبت أنه اوهى من بيت العنكبوت. ولا أدلّ على ذلك من ان الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ما أن سمع زئير الجماهير تملأ الشوارع ورأى افواه الجياع تنفتح عن أنياب حادة، حتى اطلق ساقيه للريح على نحو لا يليق بجنرال يزدان صدره بنياشين معارك لم يخضها، ويثقل كتفيه حمل من النجوم والسيوف النحاسية، وكم حمدنا الله انه لم يكن جنرالاً في ساحات المواجهة مع العدو الصهيوني. ان الفرار على هذا النحو يكشف عن معدن الطغاة من أنهم لم يستولوا على السلطة خدمةً لشعب ولا ولاء لوطن، بل تأبيداً لسيطرة تمكنهم من افراغ خزينة الدولة من اموالها، واهتبالاً لفرصة سرقة المال العام وامتصاص فرص الناس العاديين، وفوق ذلك، خدمة مراكز الاستكبار والبغي في ما وراء بحر تونس. انهم يشعرون في قرارة انفسهم بانهم ليسوا ابناء البلد فلا انتماء للوطن، ولا ولاء لشعب. ولو كانوا على غير ذلك، لوقف الجنرال العتيد يدافع عن شرفه ووطنه وامته في ساحة تونس.

وتعلمنا انتفاضة تونس ان الديكتاتورية هي الوجه الآخر للفساد، فهما وجهان لعملة واحدة، وكلما ارتفع منسوب الديكتاتورية والطغيان ارتفع بالضرورة منسوب الفساد، وليس من قبيل الصدفة ان تترافق عملية هروب ديكتاتور تونس مع انتشار اخبار هروب زوجته وعائلة زوجته مع اموالهم، وان مجموع الاموال المسجلة باسم بن علي تتراوح ما بين خمسة وخمسة عشر بليوناً من الدولارات، وان الحكومة السويسرية فرضت الحراسة على حساباته، وان زوجته هربت بكميات كبيرة من الذهب. ومن دون الدخول في لعبة الارقام، فان مجرد ان يقوم رأس الدولة بايداع مئة دولار، مجرد مئة دولار، خارج حدود دولته هو امتهان لشرف الدولة التي يرأسها، اذ أنه لا يثق بثبات وديمومة دولته واجهزتها، وهو يدرك ـ في الواقع ـ انه ‘رئيس’ له مدة صلاحية محددة، وحين تقترب تلك المدة على الانتهاء يصبح طريداً لأنه لا ينتمي لشعبه ولا لوطنه، ولا يشعر بالولاء لهما، لأنه فضّل استثمار امواله في الخارج على استثمارها في وطنه (على فرض ان امواله طاهرة وحازها على نحو مشروع). ولا بدّ من توضيح ان الفساد موجود في كل دولة، ولا تستطيع اي دولة ان تبرئ نفسها من آفة الفساد. الاّ ان الفرق بين دولة وأخرى هو ان لدى الاولى اجهزة لمكافحة الفساد، من حيث الرقابة والمتابعة والتحقيق والمحاكمة والمعاقبة قولاً وفعلاً، بينما الاخرى تتغاضى عن الفساد وتجد له تبريرات ومقولات فاسدة مثل ما يتردد من ان ‘الفساد ليس من اخلاقنا وعاداتنا’، وانه ‘حالة طارئة وهي غريبة على مجتمعنا’ وانها من ‘الجرائم المستوردة’. وبهذه المقولات يتأسس مرض الفساد ويبدأ ينخر جسد الدولة الى ان يصبح من ‘القيم الواقعية’ في المجتمع، وبالتالي يستحيل استئصالها، اي يصبح في هذه الحالة، وعلى نحو ما وصفت برقية السفارة الامريكية في تونس الفساد، بأنه اصبح في تونس ‘مافيا’. وتعلمنا الانتفاضة التونسية ان النزوع الى الديمقراطية ليس هِبة امريكية او منحة فرنسية او اختراعاً اوروبياً، بل هو نزعة اصيلة في كل الشعوب. وتوجه انتفاضة تونس لطمة كبيرة الى كل الزيف الامريكي والرياء الاوروبي، الذي تخفّى تحت عباءة الديمقراطية لتبرير استغلالنا واستعمارنا. ان نضال الشعوب العربية في سبيل انجاز اوضاع ديمقراطية لم يسبق له مثيل في التاريخ. ان مقاومة المواطن العربي لسلطة البلطجة والطغيان وصلت الى ان يحرق المواطن نفسه لكي يفضح جبروت السلطان، وقد دشّن محمد البوعزيزي هذه المرحلة من النضال على نحو هزّ اركان طغاة تونس والطغاة العرب الآخرين. ولازالت هذه الظاهرة تنتشر في مصر واليمن والسعودية والجزائر. ان المواطن العربي يعمّد رغبته في الوصول الى الديمقراطية بالدم والنار، في الوقت الذي كانت فرنسا ـ ام النور والحرية ـ تعدّ لشحن قنابل الغاز المسيل للدموع الى حاكم تونس، وكانت وزيرة خارجيتها تعلن استعداد بلادها لتقديم العون للبوليس الخاص لابن علي، لكي يقمع ‘اعمال الشغب’. ومن هنا، فان انتفاضة تونس تدشّن مرحلة ‘الشرق الاوسط’ الجديد الذي تعاد صياغته على مقاس شعوبه وليس على مقاس كوندوليزا رايس وهيلاري كلينتون.

وتعلمنا انتفاضة تونس انه لا يمكن تضليل الجماهير، بحيث تلدغ من ذات الحجر مرتين. فحين جاء ابن علي واستولى على السلطة وازاح الحبيب بورقيبة في تشرين الثاني/نوفمبر 1987، لعب على مشاعر الناس ووعدهم بالخبز والحرية والديمقراطية ومكافحة الفساد، حتى اذا سلمت الامور زمامها اليه، بدأ بكشف الحقيقة التي جاء من أجلها وهي خدمة المصالح الاجنبية، والامريكية على نحو خاص (ألم يدخل دورة للاستخبارات والامن في بلتيمور، ودخل مدرسة المدفعية الميدانية في تكساس؟). وهذا هو سبب اصرار جماهير تونس المحتشدة في الشوارع والزاحفة من اقاصي البلاد في ‘قافلة الحرية’، التي تفترش الازقة والساحات، على الاطاحة بكل الوزراء والمسؤولين الذين شاركوا ابن علي في الولوغ بدم الشعب التونسي وأسسوا معه نظام الطغيان والفساد. ولم يستطع هؤلاء تزييف مطالب الجماهير، بتنازلهم عن عضويتهم في حزب التجمع، ثم استقالتهم نهائياً منه وتعهدوا بقطع علاقاتهم بالماضي، ثم ـ وكما أعلن رئيس الوزراء محمد الغنوشي ـ بأنه سوف يعتزل السياسة بعد اجراء الانتخابات. ولم تفلح محاولات الايهام بالتنازل هذه في اقناع الجماهير التي تكرر مقولة ان ابن علي وعدهم بذات الشيء حين استولى على السلطة.

وتعلمنا انتفاضة تونس ان الوعي الذي تتمتع به جماهيرها يجب ان يكون منارة للجماهير العربية في كل مواطنها. فلم تتحرك الانتفاضة بأوامر من قيادة علنية او سرية، وانما تحركت هذه الجماهير، وما زالت تتحرك، بحسّها الوطني وبوصلتها الداخلية، وهذا يؤكد توحدها في الامها ومعاناتها واوجاعها في عهد الدكتاتورية، مما خلق وحدة فطرية في مطالبها. ومن اللافت للنظر ان قيادات احزاب المعارضة لم تحاول اقتناص الفرص او الاستيلاء على منجزات هذا الحراك الشعبي الواسع، او الادعاء بتمثيله وتحريكه، مع العلم انها منخرطة الان في هذا النشاط الجماهيري. هذا الوعي، سواء على مستوى الجماهير او على مستوى قيادات الاحزاب، يشكل علامة فارقة في تاريخ النضال التونسي، الذي يجب ان يكون منارة للنخب الوطنية في البلاد العربية الاخرى. ومع ذلك، ان هذا لا ينفي ضرورة افراز قيادة ميدانية وطنية تقود الجماهير للوصول الى غاياته الوطنية قبل ان يبدأ ‘رسل الحرية’ وعملاء المخابرات الاجنبية في التوافد لابداء ‘النصح’ للحكومة المؤقتة. وها قد بدأ السيد فيلتمان اولى رحلاته الى تونس بعد ان عرّج على لبنان واجتمع مع قادة 14 آذار حيث قدم لهم ‘نصائحه’. وتعلمنا تونس الخضراء ان رايتها تظل حمراء وهي تنتفض على جلاديها والمفسدين في ارضها والمستكبرين على شعبها. هذا الوفاء لارثها النضالي هو غرّة على جبينها ونيشان فخر على صدرها. وتظل تونس الشابي عصيّه على التلون والتغيّر. وفي الوقت الذي تلوثت زمر ابن علي من مخابرات واجهزة أمن مع الموساد الاسرائيلي، حيث جرى التواطؤ بينهما على اغتيال قيادات فلسطينية كانت تقيم في تونس وفي حماية ابن علي، كانت عناصر وطنية تونسية تخوض معارك الثورة الفلسطينية في كافة اماكن وجودها. ولا نستغرب بعد ذلك ان نسمع هتافات تونسية تأييداً لشعب فلسطين ودعماً لنضاله وهي تخوض معاركها في شوارع تونس. فالمعركة واحدة والمصير واحد.

فالمجد لتونس شعباً وارضاً وانتفاضة.

محام مقيم في عمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية