مالك التريكي
ليست هذه أول مرة تقف فيها تونس المعاصرة على مفترق طرق تاريخي بين الرغبة الشعبية في الحل الجذري الفوري وبين الدعوة، التي تبدأ نخبوية ثم تتحول شعبية هي أيضا، إلى وجوب عبور مرحلة انتقالية تضمن سلاسة التحول بأقل الأضرار من العهد البائد إلى العهد الجديد.
إذ إن في ما عاشته البلاد منذ سقوط الدكتاتورية (وليس صحيحا ما تردده بعض التعليقات من أن الدكتاتور سقط دون أن تسقط الدكتاتورية) حتى إعلان الحكومة المؤقتة الجديدة ليل الخميس أصداء قوية لما سبق أن خبرته عام 1955 إبان الحصول على ‘الاستقلال الداخلي’ (الحكم الذاتي). حيث أن لكل من الموقفين اللذين استقطبا المشهد الوطني في الأسبوعين الماضيين معادلا تاريخيا في المشهد الوطني الذي ساد قبل 55 سنة. أما المعادل التاريخي للموقف الذي نادى بوجوب أن تكون الحكومة المؤقتة منبثقة عن الإرادة الشعبية وأن تقطع جذريا وفوريا مع كل ما يمت بصلة إلى العهد البائد، فهو الموقف الذي يعرف في تاريخ حركة التحرر الوطني في تونس باسم ‘الحركة اليوسفية’ التي تزعمها صالح بن يوسف والتي نادت في منتصف الخمسينيات بعدم القبول في المفاوضات بأقل من الاستقلال التام عن الاستعمار الفرنسي. وأما المعادل التاريخي للموقف الذي نادى بالحرص على استمرارية الدولة في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة (حتى لو استلزم ذلك الإبقاء مؤقتا على بعض رموز النظام الذي ثار عليه الشعب)، فهو موقف الزعيم الحبيب بورقيبة الذي اشتهر لدى جميع العرب باسم ‘سياسة المراحل’. ومعروف أن الاستقطاب بين الموقفين قد كاد يورد البلاد موارد الحرب الأهلية. لكن مؤتمر الحزب الحر الدستوري في صفاقس أواخر 1955 حسم الموقف ديمقراطيا لصالح بورقيبة (الذي كان بن يوسف قد اتهمه بالخيانة الوطنية)، حيث ما لبثت أن ثبتت جدوى سياسة المراحل عندما انتقلت تونس بعد بضعة أشهر فقط من الحكم الذاتي إلى الفوز، يوم 20 آذار (مارس) 1956، بالاستقلال التام.
ولا يتعلق الأمر هنا بأي مفاضلة بين الحلول الجذرية والحلول التدريجية وإنما بالتأكيد على أن هنالك جدلية أصيلة في الثقافة السياسية التونسية بين الراديكالية والمرحلية. صحيح أن الصفة الغالبة على الشخصية التونسية هي صفة الاعتدال. على أن هذا البلد العربي الذي سبق الولايات المتحدة الأمريكية إلى إلغاء نظام الرق عام 1846 وسبق بقية ديار الإسلام إلى إعلان ميثاق لحقوق الإنسان (يعرف بـ’عهد الأمان’) عام 1857 وإلى سن دستور عام 1861، قد تميز بعراقة النهضة الثقافية والعمل المدني والسياسي. وقد أثمرت عراقة الحركة النهضوية تبلور ثقافة سياسية وطنية من العمق بحيث أنها تكتنز النزعتين: النزعة الإصلاحية المرحلية والنزعة الثورية الراديكالية. ولهذا فإن البداية الفعلية لحركة التحرر الوطني قد كانت وليدة مواجهة بين هاتين النزعتين. إذ إن موقف الشباب التونسي الذي انشق على حزب عبد العزيز الثعالبي وأسس حزبا جديدا بقيادة بورقيبة عام 1934 قد كان موقفا راديكاليا ينادي بالالتحام بقوى الشعب والمزاوجة بين العمل السياسي والنضال الميداني، بينما كان الجيل القديم متمسكا في المقابل بنخبوية ‘سياسة الصالونات’ ورفع العرائض للسلطات الاستعمارية. وليس من الصعب تفهم الدواعي التي تجعل الموقف المنادي بالمرحلية يبدو موقفا يتسم بالتعقل وروح المسؤولية بينما يبدو، الموقف الراديكالي كأنه يتسم بالشطط واللامعقولية. إلا أنه قد تبين الآن، في ضوء إعلان الحكومة المؤقتة الجديدة التي تعكس تركيبتها استجابة شبه كاملة للمطالب الراديكالية، أن ‘لامعقول’ الإرادة الشعبية في تونس هو عين العقلانية! إذ إن انعدام القيادة الثورية قد فرض ضرورة تاريخية هي اعتماد الشعب على ذاته في الحفاظ على ثورته حتى لا تسرق بمثلما سرقت ثروته. كما أن انعدام الثقة قد فرض أمرا واقعا هو أن تظل الحكومة المؤقتة الأولى متهمة حتى يثبت العكس. بل إن تشبث عدد من وزراء العهد البائد بالمناصب حتى ربع الساعة الأخير، رغم أن الشعب لم يعد يطيق مجرد سماع أسمائهم، إنما جعل الحكومة المؤقتة الأولى متهمة، بل مدانة، حتى لو ثبت العكس!
أما الآن وقد بدأت تتضح معالم مرحلة انتقالية قابلة للفهم، فليس من قبيل أخذ الرغبات مأخذ الحقائق القول إن تونس قادرة، إن صدق العزم، على اجتياز مأزق بدايات التحرر من الاستبداد عام 2011 بمثلما نجحت في اجتياز مأزق بدايات التحرر من الاستعمار عام 1955.