تكاد الظاهرة الفرعونية تتشابه على مر العصور، وبتتبعنا سير الفراعنة عبر التاريخ نجد القواسم المشتركة الكثيرة بينهم، وباستعراض آيات القرآن الكريم يمكننا التعرف بوضوح على سيرورة وصيرورة الفرعونية لنقف على الفرعون المعاصر ونتلمس مسيرته ونهايته.
فالفرعون على مر التاريخ يصادر حريات الناس ومعتقداتهم الدينية، وقـــد يصــــل لدرجة مطــــالبتهم باستئذانه لتبني الرأي او المعتقد (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُــــمْ إِنَّ هَـذَا لَمَـــــكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِيـــنَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ). ويعتبر الفرعون نفسه أو حزبه الوحيدين القادرين على حماية الناس وهم الشـــرعية الوحيدة للبلـــد (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهــــَا الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) وفراعـــنة العصر يرددون مقـــــولة جدهم ضمنيا، ماعـــلمت لكم من حاكم غيـــري، ويطالبــــون بتأبيدهم لأنهم (فلتة) زمانهم، ولو لم تتم اعادة انتــــخابهم فالخسارة ستكون للوطن بضياع خبراتهم وعبقريتهم.
اما محاولة التغيير في الواقع فهي جر للبلاد للفوضى والعبث وهدر للسلم والأمن الوطني (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ) فالفرعون باستبداده حريص كل الحرص على حماية المناخ الصحي للبلاد دينيا وامنيا.
الفرعون غير متقبل للرأي الاخر ولا يقبل المشاركة لا بالحكم ولا بالمعارضة ولا بأي وسيلة، فهو الخيار الأوحد للشعوب (مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ). امام هذه الصفات فمن يطيع هذا الفرعون؟ القرآن يقول (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) والفرعون على مر العصور يستخف شعبه فيطيعونه فهل هنالك طاعة لمن يستخف بشعبه؟ سؤال برسم فقهاء الفرعون الذين كانوا ومازالوا يمارسون دور الناصح الأمين له (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكََ) فيأتيهم التأكيد والحزم باتباع الطرق الكفيلة بالاستقرار وحماية النظام (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ). نهاية الفرعون محسومة بأن العاقبة للمتقين (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). ومقارعو الفرعون سيرثون الأرض لأنهم الأحق بعمارتها (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا). اما الفرعون فانه سيعود للحق ولكن متى عندما يُسقط في يده (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لكن ليس الآن يا فرعون (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) لا تدع انك فهمت الان مطالب الشعب فالسيل قد بلغ الزبى وقد اخذت الوقت الكافي لتفهم ولكنك آثرت الاستبداد.
عثمان بيطار