القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: عقب الأحداث الطائفية التي جرت وقائعها في كنيسة القديسين بالإسكندرية، حاولت المدينة الساحلية تجاوز محنتها بالإصرار على الاستمرار في أنشطتها الفنية واستكمال برنامجها الثقافي ـ السينمائي، الذي كان معدا سلفا بالاتفاق بين إدارة السينما بالقاهرة التابعة لهيئة قصور الثقافة وقصر التذوق الفني بالإسكندرية. وبالفعل استكمل البرنامج وبدأ الاحتفال بالسينما الفلسطينية على مدار ثلاثة أيام، وحيث أن كاتب السطور واحد من المهتمين بالسينما الفلسطينية فقد وجهت لي الدعوة على ضوء الدراسة المنشورة تحت عنوان ‘السينما شاهد إثبات’، والمشتملة على أهم الأفلام العربية الراصدة للواقع الفلسطيني، ومن أبرزها ‘تذكرة إلى القدس’ للمخرج رشيد مشهراوي و’الجنة الآن’ لهاني أبو أسعد و’باب الشمس’ ليسري نصر الله و’من الذاكرة’ للمخرج سعود مهنا، وهي الأفلام ذاتها المتضمنة في برنامج الاحتفالية الثقافية ـ السينمائية الرسمية، وهو ما يمثل نقلة نوعية في النشاط الفني للمؤسسة الرسمية بالدولة. فلم يكن الإسهام السينمائي الفلسطيني منظورا إليه كما ينبغي، بل غالبا ما كان يأتي متضمنا في احتفالات أخرى بشكل غير مكثف، مثلما كان في الاحتفالية القريبة التي حضرها ممثلون عن السلطة الفلسطينية بالإسكندرية، وقد احتشد العديد من المثقفين والسينمائيين ومشاهدين عاديين من عموم الجمهور، للمشاركة في الاحتفال والاحتفاء بالفن الفلسطيني السينمائي. ولفت نظري في المناقشات التي أعقبت الأفلام أن حماساً شديدا كان يعتري كل الحضور، بمن فيهم شباب وشابات فوق العشرين بقليل، لديهم معلومات غزيرة عن تاريخ النكبة والصراع العربي ـ الصهيوني، بما ينفي ما هو متصور عن فتور الإحساس بالقضية الفلسطينية لدى الشباب المصري، وما يؤكد الحضور الطاغي للقضية في العقول والقلوب الشابة هو ذلك التفاعل مع الأفلام، والحرص على مشاهدتها وتفضيلها على افلام أخرى تجارية. عرضت في أيام سابقة، ولم تجد نفس التجاوب الجماهيري، وهذا مؤشر جديد بوضع السينما الفلسطينية أو السينما العربية المعنية بالواقع الفلسطيني بمكانة متميزة وضد الدعاوى الزاعمة بأن السينما السياسية لا موقع لها من الإعراب، في ظل الحالة الغوغائية في المشهد الإبداعي، ونحن إذ نؤكد على فساد هذه النظرية نطالب بتكثيف العروض السينمائية المنتمية للون السياسي، لتكون السينما فاعلة ومفعلة بشكل أساسي داخل المنظومة الاجتماعية، كأحد أهم الروافد المعرفية، ليتسنى للناشئين تكوين وجهات نظر دقيقة والإلمام بمعطيات الواقع العربي كله تدريجيا، حيث السينما هي الأداة المناسبة لاستيعاب القضايا الكبرى وطرحها بشكل مبسط، يجعل من السياسة الواردة بالأفلام تصريحا وتلميحا مادة سهلة الهضم لا تصيب الصغار أو الكبار بالتلبك المعوي، كما يعتقد من يروجون لسينما تجارية هزيلة لا يعنيها عقل المشاهد بقدر ما يشغلها جيبه، وللأسف هناك بعض القوى الانتاجية تغذي هذا الاتجاه وتدعمه، ناهيك عن امتناع دور العرض عن إتاحة الفرصة أمام الأفلام الجادة للمنافسة الجماهيرية، حتى بين الشرائح المستنيرة، فالفيلم الذي لا تتوافر فيه الشروط المنشطة للسوق ثم استبعاده بعد يوم أو يومين على الأكثر، بموجب قانون العرض والطلب الذي يتخذ حجة للإجهاز على حلم من تراودهم أنفسهم لصناعة سينما محترمة.
أي أن التجارب المميزة والفارقة في المستوى والمضمون محكوم عليها بالفشل قبل أن يتم الشروع فيها، وهي آفة صناعة يتحكم فيها قراصنة وقطاع طرق ومجموعة من المرتزقة، وأتصور أن هذه إشكالية ليست وليدة الجشع الشخصي، وإنما هي انعكاس لسياسات يتم تطبيقها بفعل فاعل أو فاعلين، للحيلولة دون تمكين السينما من القيام بدورها الحقيقي في التنوير والتثقيف والتوعية، ومن دلائل ذلك أن فيلما مثل ‘باب الشمس’ عرض في دار عرض واحدة عام 2005، ‘سينما جلاكسي’ بمنطقة المنيل، ولم يستمر بها سوى أسبوعين فقط، رغم الإقبال الشديد عليه، ومثله أفلام أخرى أحدثت تأثيرا ايجابيا ملحوظا، من بينها فيلم ‘بنتين من مصر’ للكاتب والمخرج محمد أمين ‘المسجل خطر’ منذ قيامه بكتابة وإخراج فيلمه الأشهر ‘ليلة سقوط بغداد’، فآلية المنع والمصادرة مستمرة وتشكل ظاهرة نشيطة للغاية، ليس في الفن السابع فحسب، ولكن يمتد نشاطها لفنون كثيرة أخرى، بيد أن إجراءات التضييق لم تمنع ظهور تيار جديد من الفن السينمائي ينمو ويتصاعد لكونه يتبنى الأفكار المعارضة ويجلي الحقائق ويحاول رفع الغشاوة عن العيون لتتمكن من الرؤية بوضوح، ولكن تواجه هذا التيار صعوبات قوية تكمن في مصادر التمويل، مما يترتب عليه تحويل الأفلام الروائية الطويلة الى أفلام قصيرة وتسجيلية تتنفس حريتها خارج أجواء القوانين الصارمة، حيث يتعين على أصحابها اختزال أفكارهم العميقة ورؤاهم الواسعة في كبسولات صغيرة قليلة التكلفة تصور بكاميرات الديجتال والموبايل، وهذه الحيل وإن كانت تنجح في كسر الطوق الرقابي وتتغلب على المشكلة الانتاجية، إلا أنها على جانب آخر تعد معطلة للطاقات الحقيقية ومحبطة للتجارب الكبرى، ولعلنا نتذكر في هذا الصدد ما قاله المنتج محمد حسن رمزي لوسائل الإعلام من أن عام 2010 كان الأسوأ في تاريخ السينما، وبالطبع كان يقصد الخسائر الانتاجية التي تكبدها هو وغيره من المنتجين والموزعين نتيجة سوء الأحوال الاقتصادية، ولا يمكن هنا فصل خسارة المنتجين عن تغير الملامح السينمائية لأن كلاهما نتيجة للآخر ويصب في خانة واحدة، فالأزمات دائماً ما تكون لها مردودات جماعية تعود بالسلب على المصنف الفني ونوعه وتأثيره والحالة الجماهيرية المتصلة بنسبة المشاهدة واستعداد المبدعين للتواصل والمضي في الطريق الصحيح أو الخطأ أو الوقوف ‘محلك سر’ في مفترق المسافات كما هو الحال الآن ـ لا إنتاج ـ لا تسويق ـ لا حرية ـ لا إبداع.