من بلاد السلاطين الى بلاد الفراعين

حجم الخط
0

في تركيا يزيد إحساس العربي بوطأة الظلم والحرمان والتسلط الذي يعيشه في بلاده.. في تركيا يذوق العربي طعم عزة نسيها في بلاده وواقع حياته منذ أن تقسم العرب الى دويلات تأتمر بحكم أمريكا التي تسير طواغيت العرب الذين يصدق فيهم قول الشاعر: عرب ولكن لو نزعت قشورهم لوجدت أن اللب أمريكان في اسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية التي حفظت العرب والإسلام لستة قرون متتالية يكون للعزة معنى آخر يرتبط بالله ‘من كان يريد العزة فالله العزة جميعا’، ولهذا نهضت تركيا عندما عادت الى الطريق، وتاه العرب في دوامات المكر والبطش ولم يخافوا المآل ‘وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ’ في تركيا نتذكر في المشهد البعيد خلافة توالي السلاطين على حكمها وكانت سياستهم هي ما خطه عثمان بن ارطغرل في وصيته لابنه أورخان فقال ‘اعلم يا بني أن نشر الاسلام وهداية الناس إليه وحماية أعراض المسلمين وأموالهم أمانة في عنقك سيسألك الله عز وجل عنها، واعلم يا بني أن طريقنا الوحيد هو طريق الله، وأن مقصدنا الوحيد هو نشر دين الله، وأننا لسنا طلاب جاه ولا دنيا’، وفي قصيدة أخرى نقلها المؤرخ البريطاني (وتتك) حدد الأتراك صفات من يحكمونهم وجاء في ترجمتها العربية: سلطاننا وكيف نريده أن يكون؟ إن سلطاننا هو خادم دين الله إنه الرجل الذي يسعى لإخراج الناس من الشرك وينقلهم الى رحمة الإسلام إن سلطاننا هو سيف الله إنه حامي المؤمنين وملاذ المسلمين وحين يقتل سلطاننا في سبيل الله فلا تظنوا أنه مات لأن الشهيد لا يموت بل ينتقل الى جوار الله ليعيش في جنات النعيم وهذا الصلاح امتد الى كبار رجال الدولة حيث كان على رئيس الوزراء أن يكون من المواظبين على الصلاة في وقتها. في تركيا نتذكر بألم أننا قادمون من بلاد الفراعنة والفراعين الذين لم يكونوا حضارة مضت وانقضت بل امتدوا في أجدادنا وآبائنا وفينا في حلقة مستمرة تكرر الوصف الرباني عن علاقتنا بحكامنا ‘فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين’ وتذكر بوصف عمرو بن العاص الذي ينطبق على أغلب العرب ‘نساؤهم لعب ورجالهم خشب وهم عبيد لمن غلب تجمعهم الطبل وتفرقهم العصى’! في تركيا يصبح للاجتماع والعمل لفلسطين وقع آخر وأمل متجدد في بلد احتضن الخلافة التي حمت فلسطين وجعلت ثمن فقدها على لسان السلطان عبد الحميد دماء ملايين المسلمين وهو بذلك حدد أيضا ثمن التضحية لاستردادها في تركيا تحس أن ‘الرجل المريض’ بدأ يتماثل للشفاء وأنه لن يسمح لأحد بأن يقسم تركته على هواه لأن هناك رجلا طيبا معه شعب طيب سيقف له بالمرصاد في تركيا التي أصبحت قبلة العرب والمسلمين للعمل لفلسطين عادت روح الدولة الإسلامية الى الحياة، دولة لا فرق فيها بين عربي ولا أعجمي، ولا أسود ولا أبيض، ولا ذكر ولا أنثى الا بالتقوى والعمل الصالح. في تركيا تستشرف رسالة التحرير ونهجه بيانا في معالم المكان حيث القباب خوذات والمآذن رماح والمصلون جنود، وتتذكر بالمقابل بلادنا الفرعونية التي يمنع فيها الأذان والحجاب ويلاحق المصلون! ولا ندري أهي الفرعونية والفراعين والفرعنة لعنة خاصة مسلطة على العرب دون غيرهم بحيث لا يمكنهم الخلاص منها؟! لماذا عندما يظهر القياصرة والديكتاتوريون والقادة العسكريون في الغرب يطيح بهم الشعب في لمح البصر، ولا يجدون من يؤويهم من غضبة الشعوب وعدالة القصاص؟! الى متى يبقى فراعيننا في أهراماتهم يجمعون مال قارون لخلودهم بأشخاصهم ومن ورائهم عوائلهم دون أن يقف لهم موسى أو هارون أو رجل مؤمن ليصدوهم عن غيهم؟! هل ستبقى تونس وحدها كالنجمة المضيئة في الليل البهيم والشعوب العربية كالقرعة التي تتباهى بشعر غيرها؟! هل سيبقى في الذاكرة درس الثورة، أم سيتجذر في الشباب مثال البوعزيزي كحل وحيد ويائس لحياة، الموت أفضل منها؟! لقد جاء أعرابي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قدوة العدل والإحسان والمؤيد من الله، وجذب رداءه حتى حزّ في رقبته وقال له: يا محمد أعطيني فإنك لا تعطيني من مالك ولا مال أبيك، فكيف تتصرف الشعوب مع الفراعين الظلمة الذين أكلوا البلاد وأرزاق العباد؟! إن الفراعين لن يتغيروا حتى نعود الى سياسة السلاطين الذين أدركوا المنزلة والمنصب وجعلوا السلطة في خدمة الشعب، وإذا لم نفقه الدرس فقد ذهبت التضحية هباء منثورا، وسرعان ما سينفض المولد ويحتل الكوشة عريس جديد ونجري من ورائه ‘كالمتاعيس’ نلبي بالروح والدم!

د. ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية