رشيد يحياوي
ما يمكنني قوله الآن بخصوص انتفاضة الشعب المصري ضد نظام حسني مبارك، هو ما كنت توقعت أسبابه في يوميات كتبتها حينها، أي قبل ربع قرن، أيام إقامتي في القاهرة التي امتدت لسنوات. من هذه اليوميات هذه المقتطفات: ‘يبدو لي أن المجتمع المصري يعيش في عمقه ضغطا هائلا إضافة إلى ما غذته العادات والأخلاق بمفهومها المحافظ وهي تواجه تحولات اجتماعية سريعة نحو الانفتاح العشوائي. هذه الحالة من الضغط الداخلي قابلة للانفجار في أي لحظة. فالتذمر باد على وجوه المواطنين من عامة الشعب. أما العبارات المعبرة عن هذا الإحساس فكثيرة في الحياة اليومية، مثل قولهم: فين زمانك يا مصر، رايحة فين يا مصر، يا ساتر يا رب. وتعمل الحكومة بشتى الوسائل وخاصة على مستوى الإعلام، على تهدئة الوضع بالإكثار من المشاريع الترفيهية وتوجيه التلفزيون للتسلية وعزل الناس عن معرفة العالم الخارجي مع إيهامهم بأن الأزمة طبيعية وأنها في الطريق نحو الحل، ورسم صورة غير حقيقية عن مصر تظهرها أحسن البلدان وأرخصها معيشة وأكثرها تقدما وخاصة بالنسبة إلى العالم العربي.
لكن هذا الضغط ينفجر بشكل جزئي يوميا في حياة الناس. فتكثر ‘الخناقات’ والخصومات التي قد تنتهي بمآس.
إذ أتحدث عن السكن الرديء في القاهرة، أتحدث تلقائيا عن مأوى مثل مدينة المقابر وفوق السطوح والبدروم. ففي مدينة المقابر وحدها عدة ملايين من السكان. وسميت بهذا الاسم لتجاور الأحياء والأموات فيها. فقد استغلت هذه الملايين من الناس بعض الفراغات في المقابر لتقيم فيها أحياء كاملة لا يتوفر فيها أي شرط لحياة الإنسان. في هذه المدينة التي هي مدينة المقابر، بيوت للأموات أحسن من تلك التي للأحياء. فالعادة جارية هنا أن تخصص العائلات أو بعضها بيوتا مستقلة لدفن موتاها. هذا الوضع المزري تعرفه أحياء أخرى مثل بولاق الدكرور والعمرانية والوراق وشبرى وغيرها. في هذه الأحياء الشوارع والأزقة مكتظة بالمارة والباعة المتجولين. باعة البطيخ والبرتقال والليمون… وحيث النساء السمينات ذوات اللباس الأسود الطويل يعرضن على مفروشات البلاستيك خضرهن كالبطاطس والطماطم والجزر والخس. وفي أزقة هذه الأحياء عدد لا يحصى من البشر، نساء ورجال وتلاميذ وفلاحين جاؤوا من الأرياف، راجلين أو راكبين على عجلات نارية وعادية وعلى الحمير وعربات الحمير والخيول.
أما البدروم وفوق السطوح فقمة وقاعدة المنازل. في العمارات الحديثة تسكن عائلات في البدروم وهو ما تحت العمارة حيث تنخر الرطوبة العظام. أما فوق السطوح في الأحياء القديمة والشعبية، فحيث يرمي السكان بما فضل من مقتنياتهم. ومنهم من يستغله لتربية الدواجن. والذي يسكن من بني الإنسان في هذا المكان، يكون معرضا دائما لأن يطير كوخه إذا جاءت عاصفة أو كارثة أو تضربه الشمس لأن الجدران والأسقف متآكلة وغالبها من القش والقصدير والخشب.’ومن يقرأ هذه المقتطفات من اليوميات يدرك إلى أي حد تحمل الشعب المصري ضائقة العيش والإذلال اللذين مارسهما عليه النظام الحالي، وتحديدا منذ بدايات الثمانينيات حين شرع النظام المصري في نهج سياسة الانفتاح الاقتصادي. وهي السياسة التي باعت ما بناه المصريون بعرق جبينهم ولم تعطهم مقابله سوى الأوهام بكون الرخاء الاقتصادي في انتظارهم. ولم يكن المستفيد من العملية سوى طبقة من رجال الأعمال والسياسيين الفاسدين الدائرين في فلك النظام وحاشيته.
غير أن شعب مصر العظيم الذي هزم إسرائيل وصبر على الفقر والظلم واغتصاب الحقوق الاقتصادية والسياسية، أظهر أنه لم يعد مستعدا للعيش بأوهام يتشدق بها النظام في سلسلة أكاذيب بينما الواقع لم يزدد سوى سوء، بحيث تعمقت الهوة بين فئة قليلة تستحوذ على خيرات البلاد وبين أغلبية محرومة كليا حتى من أبسط حقوق العيش الكريم.
لقد أظهر شعب مصر أن كرامته فوق كل اعتبار، وأن وطنه مصر في حاجة إلى نظام سياسي ديمقراطي عادل اجتماعيا واقتصاديا، يستجيب لحقوق 80 مليون مصري غالبيتهم العظمى من الفقراء ومهضومي الحقوق. وهذا ليس ببعيد عن شعب له من قوة الإرادة ما يحقق به هذا الهدف، وذلك بتوحيد صفوف القوى الوطنية الحية ورد اليد الممدودة لها من طرف النظام المتهاوي على عقبها. فقد فات أوان إنقاذ طغمة فاسدة تحكمت لعقود في رقاب المواطنين.
وفي هذا الإطار أوجه نداء إلى الناقد والمفكر جابر عصفور الذي قبل بدور صباغ النظام ثقافيا، وأقول له: لا يا أستاذ جابر، احفظ ما بقي من نقاء صورتك. كن في صفوف الشعب لا في خندق مصاصي الدماء. لا تتحول من داعية للتنوير إلى داعية للإظلام. فمنصب في جثة وزارة هو إعدام لرمزيتك ومبادئك، وخيانة لدماء الشهداء التي سقت تراب مصر من أجل الحرية والانعتاق.