أمجد ناصر
لم يكن الناقد المصري البارز جابر عصفور بعيداً عن النظام طيلة العقدين الأخيرين. علينا أن نتذكر أنه شغل ‘المجلس الأعلى للثقافة’ قبل أن ينشىء ‘المركز القومي للترجمة’ ويترأسه. لكن، مع ذلك، حرص بـ ‘ذكائه’ الذي يدعمه لسان حلو، بلاغي، ذرب، حجاجي، أن يبدو بعيداً عن ‘سياسة النظام’. إنه في الثقافة، بل في ‘الثقافة التنويرية’ كما كان يحلو له أن يقول ويصف. كان ذلك ممكناً، في تلك المصر، كان معقولاً في بلد اختلطت فيه المعايير. فمن جهة كان هناك من يمكنه الاعتراض على ‘الحكومة’، بل أحياناً، على النظام ( طبعا من دون الاقتراب من مبارك)، وهذا، للإنصاف، لم يكن متوفراً في بلاد عربية كثيرة، ومن جهة كان هناك الخوف من ‘الظلامية’ الأصولية، التي لم تكن مجرد فزَّاعة جوفاء بل لحظة دامية في تاريخ الصراع بين نظام مبارك والقوى الوحيدة القادرة على حمل السلاح في وجهه: الجماعات الإسلامية. على خلفية ذلك الصراع بين نظام مبارك وبين الجماعات الإسلامية التي تكلمت بالسلاح ‘لاص’ المثقفون. تناهبتهم الحيرة. وراحت المفاضلة تشتغل. أيّاً من أهون الشرين نختار؟ النظام أم الجماعات الإسلامية؟ مال بعض المثقفين ذوي الخلفيات اليسارية جهة النظام الذي بمقدوره أن يشرب المرء في ظله، رغم ‘طوارئه’، كأساً من البيرة. أن يدخل صالة سينما. أن يحضر معرضا تشكيلياً. أن يرى فتاة حاسرة الرأس تمشي في الشارع. أن يقرأ كتاباً لطه حسين، فيما بقيت الغالبية العظمى من المثقفين المصريين خارج هذا الاصطفاف، تدعو الى خيار ثالث ولكن من دون فاعلية تُذكر. فقد جُرّدت من صوتها. فالكلام تسلَّم زمامه الذين اختاروا النظام. في المقابل كان الرصاص والفتاوى العنيفة صوت حاملي السلاح في حقول القصب والحواري الشعبية الفقيرة في القاهرة. لم يُسمع صوت الخيار الثالث لأنه ظل بلا منبر. وبالتأكيد بلا قوة تسنده على الأرض.
من كوّة المفاضلة الضيّقة دخل جابر عصفور ( وغيره) إلى المؤسسة الرسمية. رفع شعار ‘التنوير’ البراق يافطة لهذا التحوّل في الموقف. ولكن شعار التنوير كان مرتبطاً بالنظام. وكان مؤقتاً. فما إن أعاد النظام إحكام قبضته على الشارع المصري حتى تبخر التنوير وظلت ‘الطوارىء’، وتفشى الفساد وظهر على سطح الحياة المصرية فصيل ‘رجال الأعمال’ الذين لم يكتفوا بنهب مصر بل استولوا ( بفضل سلطة الابن) على حكمها أيضاً. ***لست بصدد رسم مسار كامل لعلاقة النظام المصري بالثقافة والمثقفين في العقدين الأخيرين من حقبة مبارك. تلك حكاية ليس هذا مجالها. كلامي منصبٌّ، هنا، على قبول جابر عصفور الناقد اللامع، الذكي، ذي الميول اليسارية، منصب وزير ثقافة في حكومة شكّلها نظام يترنح تحت ضربات المصريين الثائرين. جابر عصفور أصيب بجلطة في الدماغ قبل سنين. تعافى منها قليلا ولكنه لم يشف تماما. لاحقته المصائب بوفاةٍ فاجعةٍ لابنته الكبرى. هذه أعذار، شخصية، أكثر من كافية كي يقول لا للمنصب. الثورة المصرية التي تتوالى فصولها الباهرة في كل ميادين المدن المصرية والاجماع غير المسبوق على سقوط النظام كافيان، أيضاً، لرجل ‘ذكي’ كي يقول لا لمنصب في نظام يترنح. في نظام ولغ في دم شعبه. في نظام يرفض الرحيل إلا اقتلاعاً. أي مهمة ‘تنويرية’ يمكن أن يرفعها جابر عصفور في انضمامه الى حكومة شُكِّلت في مواجهة اجماع شعبي نادر وغير مهادن ضد رأس النظام؟ لا سبب يدفع جابر عصفور الى هذا الموقف الذي أذهل أصدقاءه قبل خصومه كما أحسب. لا سبب على الاطلاق، بل ان لديه كل الأسباب الشخصية والموضوعية كي لا يفعل ذلك.
يا له من مصير سيىء دفعت إليه نفسك يا جابر عصفور.
يا لها من نهاية محزنة لمثقف مصري كبير.