شاهد فيلم ‘البريء’ على يوتيوب واحمد فؤاد نجم على فيسبوك يصف الحكم بالعصابة: جيل ‘الانترنت’ يقود الهجوم

حجم الخط
0

روان الضامن كنت دائما أؤمن أن وضع العالم العربي لا يمكن أن يستمر في قبول الذل والتخلف. كنت دائما أؤمن أن ما يجمعنا كعرب أكبر بكثير مما يفرقنا. وكنت دائما أؤمن أن الشباب الذين ولدوا بعد آخر فرحة عرفها العرب في حرب أكتوبر سيزرعون الفرح بين الدموع. زرت معظم العواصم العربية من الرباط الى الكويت، وكنت في كل مرة أتحدث فيها مع عائلة عربية، أجد المشترك. لم أؤمن بالأحزاب السياسية، ولم أجد لدى أي منها ما يميزه، فلدى كل منها نقاط ضعف وقوة، وما نفرني منها جميعا تركيزها على نقاط الاختلاف والشقاق بين كل منها والآخرين، بينما كنت أبحث عن المشترك. وعندما كنت أصرح بكل هذا بين أصدقائي من الشباب، كانوا يصفونني بالمثالية المتفائلة التي تتحدث بالقيم لا بالواقع. الواقع الذي تتكلم فيه المادة وقيم السوق، والحدود التي تجـعلني كعربية أحتاج تأشيرة لأزور أي دولة عربية أخرى. وكانوا كلما طفت على السطح أحداث للشـــقاق، مثل الجزائر ومصر أو المغرب والكويت، يؤكدون لي أن الحلم العربي الذي أتحدث عنه موجود فقط في خيالي، وأن الشباب العربي اليوم لا يمكن أن ينـــتفض لأن ‘جلده أصبح سميكا’. لم أكن أصدق وكنت أحــــيانا أقنع نفسي أنني لا أريد أن أصدق حتى لو كان كلامهم صحيحا، فيكفيني شرفا أن أعيش في الخيال. لكن ما يحدث في القاهرة هذه الأيام، وما حدث ويحدث في تونس، بجهود شباب آثروا أن ينتفضوا، وعرفوا أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد، وكسروا حاجز الخوف، جدد فيّ الثقة أن ما آمنت به دائما كان حقا. وأن ما نشأت عليه من أن بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان لم يكن أكذوبة. عندما يغني شباب العشرينات في ميدان التحرير أغنية ‘صورة’ لعبد الحليم، فان هذا يؤكد أن زمن الستينات ليس زمنا قلبت صفحته، وأن الوحدة التي جمعت دمشق والقاهرة لم تكن حلما أفل زمنه، وأن احتلال بغداد الذي أقنعونا أنه حدث دون أن ترمش عين الرباط لم يكن صحيحا. ويؤكد أن أي ضعف له وقت، وأن أي قبول بالذل لا بد أن ينتهي، وأن الظلم، مهما طال، لا بد له من نهار. لو قال كل منا: ما الذي يمكن أنا أن أفعله، أنا فرد وحدي ولن أستطيع فعل شيء، فاننا لن نفعل شيئا. اذا كان كل منا سيقول: لا يمكن أن أضيف، أنا واحد بين مئات الملايين، فاننا لن نصل الى أي تغيير، ولن يجد الظالم من يقف في طريقه. ولو أن كل شابة في الاسكندرية أو كل شاب في سيدي بوزيد فكر: سينزل الآخرون الى الشوارع، انهم لن يحتاجونني، لما كان حدث ما حدث. لقد قلت لهم ذات مرة نحن جيل ‘افتح يا سمسم’ فضحكوا. وقلت لهم اننا من جيل ‘التلفزيون’ فاستهزأوا. نعم، أنا أنتمي لجيل فتح عينيه على التلفاز، فلم يعشق الراديو ولم يقدس الصحيفة. انني أنتمي الى جيل عرف معنى الصورة واستطاع أن يطوعها لخدمته. وأفخر أنني تعلمت الأحرف من افتح يا سمسم وعلقت صورة نعمان في غرفة نومي. حينها كنت طفلة لم أدرك أن هناك حدودا بين الوطن العربي الكبير وأحسست أن الجزائر وبيروت، كلاهما جزء مني وأنا جزء منهم.

وجاء بعدنا جيل، هو جيل ‘الانترنت’، فجمع التلفاز مع الانترنت وأصبح جيل ‘الاعلام الجديد’ الذي سماه البعض جيل ‘الفيس بوك’. انه جيل شاهد على اليوتيوب فيلم البريء لعاطف الطيب رحمه الله، وشاهد على الفيس بوك أحمد فؤاد نجم وهو يصف رجال الفساد بالعصابة. انه جيل لم يعد ممكنا أن نخبئ عنه عوراتنا. جيل عرف رعب النظم الأمنية، وخبر ألاعيبها بشق الصف، لكن انكشاف الأمر لم يصبه بالاحباط، أو جلس لينتظر صلاح الدين على حصان أبيض، لأن الحصان من زمن ولى، ولأن صلاح الدين لن يولد الا من بيننا. لم يكن في خيالي أن موقعا للتواصل الاجتماعي، أصله أمريكي وعليه علامات استفهام كبيرة، سيعكس في صفحته قمة الوحدة العربية بين أناس لم يجمع بينهم سوى أنهم ‘عرب’. ولم يخطر ببالي أن قنوات فضائية تبث من العالم العربي ومن العالم الغربي ستتضامن مع قناة الجزيرة لتبث شاشتها وتثبت أن الصديق وقت الضيق، وتعلن أنها جميعا قنوات ‘عربية’. ولم أتوقع أن أرى بعيني سقوط نظام بن علي، وتهاوي نظام مبارك، ولم أتوقع يوما أن أسمع المثقفين والفقراء كلهم يذمون الفساد والظلم ويصفونه بكل الصفات التي يجب أن يوصف بها. أنا لا أتقن فن السياسة ولا فن الأبراج والتوقعات، لكنني أعترف أنني – مع كل تفاؤلي وايماني بالوطن العربي الكبير – لم أتوقع أن أرى كل هذا الشباب فاعلا من أجل الحرية. آمنت فقط أننا كلنا عرب، وأننا نهون حين ننسى المقولة الأثيرة أكلت يوم أكل الثور الأبيض، وأننا نعلو حين نتذكر أننا واحد، وأننا اذا اشتكى منا عضو يجب أن نتداعى له بالسهر حتى نكون كالجسم الواحد، فان كنا كذلك فاننا سنفخر حين نعلم أبناءنا لغتنا وتاريخنا، ونؤكد لهم أن مستقبلنا نصنعه بأيدينا. اليوم أستذكر قصة درسناها جميعا في كتاب القراءة في الابتدائية، لكننا لم ندرك معانيها حتى اليوم، أن شيخا كبيرا كان يحتضر، فجمع أولاده وطلب حزمة من الأعواد، وكانت متفرقة، فاستطاع كل واحد منهم كسرها، فلما جمعها صعب عليهم كسرها فقال لهم: كونوا جميعا يا بني اذا اعترى خطب ولا تتفرقوا آحاداتأبى الرماح اذا اجتمعن تكسرا واذا افترقن تكسرت أفرادا ‘ إعلامية في قناة الجزيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية