صلاح بن عيّادقد يشبه الأمر ما جاء في ‘أوديسة’ هوميروس عن ‘أوليس’ البطل الإغريقي العائد متنكّرا بعد رحلاته الطويلة بعيدا عن وطنه ‘إيثاكا’ Ithaque وقد تمّت استضافته ليكمّد جراحات رجليه اللتين جابتا أنحاء الأرض. وبينما هو كذلك إذ تعرّفت عليه عجوز من خادماته اسمها ‘أوريكلي’ لندبة قديمة في إحدى رجليه. فطلب أوليس من الخادمة العجوز التزام الصّمت، إذ كان يريد أن يتمّ التعرّف عليه بطريقة واسعة تردّ اعتباره بعدما نُسي تماما. وربّما لأنّه كان يرى أنّ التعرّف عليه لا يمكن أن يكون من خلال ندبة تعود لطفولته بل يجب التعرّف عليه من خلال ما النضج الذي أصبح عليه بعد رحلاته وتجاربه الطّويلة.
نوع من المثقّفين التونسيين حتى وإن لم يَجُبْ طول الأرض وعرضها حال أوليس المحظوظ في هذه الحالة، غرق فيما يشبه السفر الفكريّ البعيد على مدّة ربع قرن. لقد اكتفى ذاك المثقّف بالعزلة الثّقافيّة فكان تونسيّ الجسد وبلا جنسيّة على مستوى فكره وثقافته. أمّا تونس فهي ‘أوريكلي’ العجوز والتي لم تكفّ عن التعرّف عليه ولم يكفّ هو عن التماس الصّمت منها، وأمّا المثقّف فهو أوليس المتنكّر وهو ما يزال كذلك ولم تتح الفرصة له كما أتيحت الفرصة للبطل الإغريقي الذي انتهت بأن يفصح عن نفسه. كان لا بدّ من مواصلة ‘السّفر الاستعاريّ’ إن شئنا تسميته حتى يفهم ما يجري حول جسده التونسيّ. هو التونسيّ المقيم في تونس أو في اللا وطن كما اختار بعضهم في أعقاب كلّ مادة تنشر له في منابر غير تونسيّة بالضرورة. هو المطرود بإرادة منه من أسوار المنابر الثقافية والإعلاميّة لأنّ الدّخول من أبواب تلك المنابر أو حتى من شبابيكها سيتمّ عبر طرق بيدين متسختين وبرجلين ستغرقان بالضرورة في وحل عامّ غير بريء.
هم مثقّفون ارتطموا بحائط ايطيقيّ فكوّنوا ما قد نسمّيه ‘كتابة الصّمت’ وهي تلك الكتابة التي يودعون فيها أزمتهم وغربتهم فراحوا يرصفون رموزا لا يعرفها سواهم وهنا لم تكن الكتابة سوى عمل أنانيّ استشفائيّ يتخلصون عبرها من مآزق نفسيّة كبيرة. كتابة تتشبّث بالجمال الأوكسجين الوحيد والمنفذ الوحيد في ظلّ اختناق طويل.
هم مثقّفون مصابون بداء التأمّل وبعمق الفهم بينما تضيق السّاحة ذات البعد الواحد وتضيق البلاد وتنعزل ثقافيّا حال تلك الجزر الصّغيرة السّابحة وحيدة في المحيط الكبير. مصابون بالقراءة أيضا، كلما تأزم الحال كلّما انخرطوا في القراءة أكثر، قراءة مثلت بلادهم العجيبة وسفرهم ‘الأوديسيّ’ الذي يزيد من نضجهم وطبعا سيزيد ذلك في صمتهم.
لم يسلم الحقل الثقافيّ التونسيّ من انتهازيّة صارت ما يربط التونسيّ بالتونسيّ في كثير من الأحيان، فانكبّ أولئك المثقّفون في البحث عن تموقع ما وعن لغة خاصّة من شأنها أن تلطّف البلوى وتخفّف من ثقلها على أجسادهم وأنفاسهم المتصاعدة في ذاك الجوّ الخانق. لقد بذلوا مجهودا غير مشهود في استيعاب المرحلة وصرفوا فنّهم في إهانة الإهانة المترامية حيث هم. لقد تمسّكوا بإنسانية لغتهم في محاولة ‘لا أنسنة’ هدّد بها النظام كلّ تونسيّ. هم مثقفون لمسوا أيضا وفي مناسبات لا تكفّ عن التجدّد عدم قدرة الكلمة على مجابهة ذاك التيّار الجارف، الكلمة المنفيّة عن معانيها الحقيقية ضمن مغالطة لغويّة مثلت عمود فقر عقدين من حكم التجمّع الدستوري الديمقراطي، فلا هو دستوري ولا هو ديمقراطي كما تثبت الحقائق اليوم وكما اقتنع طويلا ذاك المثقّف. لقد تمّ سلبه من لغته لتي يراها تتقافز في سماء النظام ووسائله الإعلامية المتعددة. لذلك كان معجمه مفقّرا من كلّ دوالّه ومن كلّ مدلولاته. فلم يجد ذاك المثقّف سوى محاولة التوازن في اللا توازن بين الواقع المعاش وبين المفردات المتداولة، بين حقيقة غير محدودة ولغة محدودة، بين نعوت مغلوطة لحقيقة واضحة. ها هنا قد يفهم صمته، الذي لم يكن مشاركة في الجريمة.
هم أولئك الذين علقوا بين الكتابة الضروريّة حال الماء أو غيره من ضروريّات الحياة وبين أن يصمتوا محافظة على أجسادهم المستباحة. بين استحالة الصّمت والتكلم كمسؤوليّة معنويّة وتاريخيّة. وهو امتحان إنسانيّ صعب يستوي أمام ذاك المثقّف التونسيّ والذي سيمثّل الشّاهد الوحيد على ما جرى وعلى ما سيجري. فالأمور لم تحسم بعد والمغالطة هي ذات المغالطة إذ الأنامل القديمة لا تكفّ عن مدّ أشواكها فيما يخيّل للتونسيين من حديقة ورودها الحرية والديمقراطية وقد سال من أجلها الدّم في ملحمة تونسيّة فريدة.
هو مثقّف خارج السّرب، نقصد السرب الذي غيّب الكتابة الجدّية لأنه فقد الرّوح الجديّة. ولذلك تحصّن مثقّفنا المعزول من ذاك الطّاعون الثقافيّ طيلة عقدين ونيّف. بعبارة أوضح لقد خرج ذاك المثقّف من وضعيّة الفهم إلى وضعيّة أخرى كان فيها مطالبا بأن يحتفظ بمكوّنات مثل هويّته الخاصّة وهويّة الكتابة أيضا.
لقد وجد المثقّف السائد نفسه منخرطا في ممارسة نوع من ‘العهر الثقافي’ كما سمّاه الرّوائي الفرنسي ‘ألكسندر دوما الابن’ بمعنى أنّه يتقاضى مبلغا ماليّا من النظام عبر ممارسة حبّه المصطنع أو الحقيقيّ ـ سيّان- وعبر البحث عن ‘التواءات’ لغويّة وفكريّة حتى بالالتفاف على إرث حضاريّ اسمه ‘حرّيات، ديمقراطيّات، حقوق الإنسان إلى غيره’ من أجل تبييض وجه ومال وممارسات ذاك النظام المختزل في أفراد يعدّون على أصابع اليدين. هذا السّائد من الكتّاب لم يكونوا سوى مرتجلين من السلطة للكتابة من أجلها وهو أمر من السّهل الحصول عليه. هذه ثنائيّة بين سلطة ترتجل كلّ شيء وبين مثقّف ظلّ عصيّا ولا يرتجل، وهي الثنائيّة التي تعود بالوبال اليوم لا على الشعب فقط بل على المنجز الثقافيّ والحضاريّ لا التونسيّ فقط بل الإنسانيّ. اليوم وفي ظلّ هذا التغيّر والذي شارك فيه ذاك المثقّف بصراخه ويديه وتحمّل غازات ورصاصة طائشة متوقّعة بعد أن وجد نفسه يلتقي فجأة مع الشعب الذي ضاقت به السبل فلم يجد سوى الاختيار بين الموت أو الحياة. على ذاك المثقّف التونسيّ أن يعلن اليوم مظاهرته الكبرى، يعني أن يقود ثورة أخرى في معناها الثقافيّ وذلك بأن يخرج من صمته ومن ركنه ومن وشوشاته للأصدقاء المقربين القليلين. فصرخته الحقيقية لا يمكن لها أن تكون قد غادرته بمجرّد الصّراخ أمام وزارة الدّاخلية في الرّابع عشر من كانون الثاني (يناير) الماضي، تلك صرخة خاصّة ليس لها سوى الفنّ منفذا حقيقيّا.
لهذا المثقّف اليوم أن يسترجع معجمه، وأن يفكّ رموزه الغامضة وأن يعيد الكلمة من منفاها وأن يحمل ‘الثورة’ التي لا تزال منقوصة إلى أبعد. إنّه الشّاهد التاريخيّ على المرحلة والحامل الأكثر نقاء لحقيقة يحمل ما يكفي من آليّات لكشفها. وهو المسؤول الشرعيّ الآن على أن يدوّن يوميّات الثورة وما قبلها وما بعدها وأن يشكّل المشهد الثّائر والذي ما يزال يشدّ بأياد ما إلى الوراء. عليه ‘أن يفسّر ويروي هذا العالم الذي استعاده بعد أن كان ضحيّة أولى له’ على حدّ تعبير جورج بيريك الرّوائي والسينمائي الفرنسي، لأنّ صمتا إضافيّا أصبح صعبا حتى لا يكون مستحيلا في هذه المرحلة لسبب مرحليّ وحتى نفسيّ.
على ‘أوريكلي’ اليوم أن تفصح عن عودة ‘أوليسها’ من سفره في عقده وصمته وفي كتابته السرّية وأن يكتب في آخر موادّه أن وطنه قد عاد له أخيرا. مثقّف تونسي لا من تونس.
شاعر تونسيّ