صحف عبريةلست خبيرا في الشؤون المصرية. قبل ثلاثة أيام من اندلاع الاحداث في شوارع القاهرة لم أتخيل ماذا كان سيحصل هناك. هذا ما أشارك فيه كل الخبراء الكبار في الشؤون المصرية. الان ايضا، عندما انظر الى البث التلفزيوني واتابع الاحداث على الانترنت وفي الصحف، لا اعرف كيف ستنتهي كل هذه الفوضى الكبرى. هذا هو ايضا ما أشارك فيه عظماء الخبراء في الشؤون المصرية. ولكن من أعماق انعدام خبرتي في الشؤون المصرية ومن جسارة روح الغباء التي هبطت عليّ، أتجرأ على التنبؤ بان العاصفة على ضفتي النيل ستستنفد نفسها في غضون بضعة أيام، وأن الحكومة الجديدة لمبارك ستستخدم، في نهاية المطاف وحدات الجيش والشرطة الذين تبقوا موالين للنظام؛ مبارك سيخنق بواسطتها النار في شوارع الغضب، والنظام القديم سيعود الى نصابه مع اضافة اصلاحات ما. ستتساءلون من أين يأخذ جاهل مثلي في الشؤون المصرية الوقاحة والغباء كي ينفث الى الهواء الحار في الشرق الاوسط نبوءة بائسة كهذه، في الوقت الذي تتنبأ فيه كتل الخبراء في الشؤون المصرية بثقة تامة بان شيئا فيها لن يكون بعد اليوم كما كان؟
وبالفعل، قبل 43 سنة كنت شاهد عيان على أحداث أيار (مايو) في باريس. كطالب في دائرة الفلسفة في السوربون تراكضت في شوارع الحي اللاتيني في الايام العاصفة التي اقتلعت فيها باريس حجارة شوارعها وقاتل الطلاب ضد قوات الشرطة. ثوري وهمي، مبعوث حزب صهيوني اشتراكي كان يقيم في حينه بتكليف في باريس، أشار عليّ أن ادير سجل يوميات للاحداث. ‘انت تحظى بمشاهدة ثورة هنا’، قضى بحماسة. وأنا، لشدة غبائي، لم أدر سجل يوميات للاحداث. بصفتي صاحب مزاج انشقاقي قليلا، رأيت حولي جلبة كبيرة واضرابا شمل عشرة ملايين موظف، ولكني لم أنجح في أن أرى ثورة في كل هذا المهرجان البهيج الذي وقع هناك، بل شاركت بالذات تقريبا في كل الاجتماعات التي عقدت في ساحة السوربون وانصتت للخطابات الحماسية والشعارات التي اعطت صداها في الفضاء. ولكن كل ما سمعته هناك رنّ في اذني ولخيبة أملي، كحماسة مشوشة لأناس يشعرون جيدا بما يغضبهم ويعرفون ما لا يريدون، ولكنهم لا يعرفون ما الذي يريدونه حقا. وبالاساس غير قادرين على أن يبلوروا خطة عمل واحدة توجه نحو عمل سياسي كل الطاقة الهائلة المتفجرة. ‘ ‘ ‘ديغول، أخرج الشرطة من الحي اللاتيني، وترك الطلاب يحتفلون بغضبهم. ومع حلول الايام، حين بدأت الطاقة الضائعة تتبدد هباء انتشرت في المدينة شائعات عن تحريك قوات مظليين ومدرعات نحو اطراف باريس. وحدات الحرس الجمهوري القوية عادت بقوة شديدة الى الحي اللاتيني والى الاحياء المجاورة، وصفت بيد من حديد ما تبقى من عصيان. هكذا انتهت الثورة التي لم تكن. صحيح أنه بعد ذلك جاء وزير تعليم جديد انتهج اصلاحات ما في مجال التعليم، وتحسن الحد الادنى للاجور ولكن هذه النتائج كان يمكن اجمالها بالمثل الروسي الجميل: ‘زخم هائل ونتيجة هزيلة’. صحيح ان القاهرة ليست باريس. زرت هناك قبل نحو سنة ورأيت ان عشرات الاف بني البشر يملأون شوارعها في كل ساعات النهار والليل. التقيت هناك بأدباء طيبي المزاج، محبين للحياة وحادي اللسان. واذا كان ممكنا للمرء ان يشعر بطاقة المدينة فقد أحسست بشيء ما من الطاقة الهائلة الكامنة في المدينة الكبرى المذهلة هذه، التي يعيش فيها اكثر من عشرين مليون نسمة. لو أن واحدا من كل مئة من السكان يخرج الى التظاهر، تقع في القاهرة مظاهرة من 200 الف. في ذات الوقت فان 19 مليونا و 800 الف نسمة لا يكونون شاركوا في المظاهرة. ولم نسمع بعد عن 10 ملايين مضرب في كل أرجاء مصر، مثلما حصل في فرنسا. احساسي الداخلي يقول ان الشكل الذي يتصرف من خلاله مبارك لن يختلف كثيرا عن الشكل الذي أنهى فيه ديغول أحداث أيار (مايو) 68. فقد شخص انعدام قيادة ناجعة في أوساط المنتفضين، استغل فوارق المصالح بين الطلاب والاتحادات المهنية ومخاوف الطبقة الوسطى الصغيرة البرجوازية من الفوضى وهكذا عاد الى السيطرة على الفوضى المؤقتة، بعد أن ترك طاقة الانتفاضة تتبدد. ما بدأ بصخب هائل انتهى بصوت استجابة واهن. اسرائيل اليوم 2/2/2011