محمد منصور لا يجهل الشيخ يوسف القرضاوي بالتأكيد عقوبة الانتحار أو (قتل النفس) في الشريعة الإسلامية… لكنه رغم ذلك ظهر على شاشة قناة (الجزيرة) ليهنئ الشعب التونسي برحيل الديكتاتور زين العابدين بن علي أو سقوط (الصنم الأكبر) كما سماه… وليستغفر للشاب محمد البوعزيزي، الذي أقدم على الانتحار حين أشعل النار في جسده في مدينة (سيدي بوزيد) بعد أن أعيته سبل الرزق الشريف… وليدعو الشعب التونسي والأمة العربية ليبتهلوا إلى الله أن يغفر للبوعزيزي ويتجاوز عن خطيئته، لأن ما فعله أشعل هذه الثورة المباركة على الظلم، وحرر شعباً بأكمله من نير الاستعباد. وفي اليوم التالي كرر الشيخ القرضاوي ما قاله عن البوعزيزي، ودعا إلى إطلاق سجناء الرأي في تونس، وقال إن (تطبيق الحريات مقدمٌ عندي على تطبيق الشريعة)… واعتبر أن السبيل لحماية تونس ممن أسماهم (لصوص الثورات) هي التعددية السياسية التي تتيح للجميع حرية العمل السياسي بلا استثناء. بالمقابل ظهر الأخ القائد معمر القذافي قائد ثورة الفاتح وصاحب الكتاب الأخضر والنهر العظيم، الذي طالما شنف أسماعنا بخطاباته النارية عن الشعوب المقهورة والمظلومة، وعن ثورة الفقراء والجياع، ليعلن في كلمة وجهها للشعب التونسي الشقيق عن (ألمه) لرحيل بن علي، وليثني على مآثر زميله في الزعامة الديكتاتورية، وليلوم التونسيين لأنهم (خسروا زين العابدين بن علي) ولأن ما حدث ـ برأيه – (لا يستحق هذه التضحيات) بل كان يمكن أن يحدث (بطريقة سلمية ومتحضرة) فهل النزول إلى الشارع صار همجية، وهل وقفات الاحتجاج السلمي صارت همجية، وهل صرخات الغضب التي انطلقت من صدور الشباب العارية ووجهت بالرصاص الحي كانت همجية؟
إذا لم يكن ما فعله التونسيون هو التحضر والحضارة، فقل لنا أيها الأخ القائد كيف تكون الحضارة؟ وكيف تصنع الشعوب الحضارة؟ وكيف تبذل دماء شهدائها لتكون لائقة بالحضارة؟ قل لنا أيها الأخ القائد… لأننا لم نعد نعرف كيف يرى الثوريون الحضارة، وكيف يفهمونها ومن أي خلطة سرية يصنعونها، وما هو النموذج الحضاري الذي يريدون أن يطبقوه علينا حتى لا نكون رعاعاً وهمجاً أكثر من ذلك…. وحتى لا ترى أيها الأخ القائد أن طاغية كابن علي أو (الزين) كما تحب أن تسميه، هو (خير من يحكم التونسيين). يبدو أن بن علي هو خير من يحكم التونسيين فعلاً أيها الأخ القائد، في ما لو طبقنا عليه قصيدة (السيرة الذاتية لسياف عربي) التي سجل فيها نزار قباني مآثر الطغاة: من يا ترى يرسل الناس للمطرمن يجلدهم تسعين جلدة من يا ترى يصلبهم فوق الشجر من ترى يرغمهم أن يعيشوا كالبقر ويموتوا كالبقر؟
في هذه الحال فقط فإن بن علي خير من يحكم التونسيين فعلا، لكن هؤلاء الذين ثارت في عروقهم دماء الأحرار، لم يعودا يقبلون أن يكونوا شيئاً آخر غير البشر… بل أعز وأغلى أنواع البشر: البشر الأحرار الذين لم يعد بإمكانهم أن يتجرعوا مزيدا من الذل، ومزيدا من مرارة الظلم، ومزيدا من طعم الحياة المشبعة بالخوف الأسود الذي تشيعه ديكتاتورية النهب والسلب ومافيات الأقرباء والأصهار وشركاتهم وامتيازاتهم الحصرية التي تنهب خيرات البلد. والآن… في ضوء هذه المفارقة من هو التقدمي ومن هو الرجعي؟ من يجب أن نخاف أن يحكمنا: شيخ يشفع لمنتحر في حد من حدود الله، لأنه بذل نفسه في سبيل الحرية… أم رجل ثورة لم يترك حركة تمرد تعتب عليه في العالم إلا ودعمها من الجيش الجمهوري الإيرلندي إلى ثوار تشاد ونيكاراغوا وفصائل مقاومة الفلسطينية وتيارات القومية العربية، وصولا إلى أحلام الولايات المتحدة الأفريقية… وإذا به في لحظة الحرية الناصعة، وفي لحظة الحقيقة الفاصلة التي صنعها الشارع هذه المرة، بلا تدخل خارجي ولا احتلال أجنبي، ينحاز ضد الناس وضد دماء الشهداء وضد الأجساد المحروقة، ليؤازر الديكتاتور المخلوع ويتحدث عن مناقبه ويتألم لسقوطه.
لقد سقطت الأقنعة وانهارت الأيديولوجيات… فلا شيء يعلو اليوم على صوت الحرية والكرامة، وما حدث في تونس العظيمة على أيدي شعب عظيم نتشرف بالانتماء إليه، فرز الناس في معسكرين أساسيين لا ثالث بينهما: معسكر اعتبر ما جرى في تونس انتصاراً تاريخياً حقيقياً تحدث عنه بحجمه الحقيقي وانحني أمامه بفرح وبإيمان، ومعسكر آخر يخشى بزوغ فجر الحرية التي تصنعها الشعوب، فيحاول أن يعتم على ما جرى، وأن يقلل من أهميته، وأن يصوره في أذهان الناس باعتباره (صدفة ما تحصلش إلا في السيما) وفي هذا المعسكر الأخير حكام وقواد انقلابات عسكرية وثورات، وأجهزة إعلام مدجنة، وكتاب سلاطين ومخبرون ووشاة ومستفيدون… وهؤلاء كلهم لن يقولوا لكم أيها التونسيون العظماء: مبروك. ولن ينحنوا أمام إنجازكم التاريخي ليقولوا لكم: شكراً، ولن يحتملوا أن يروا ضياء الحريق يعمي الأبصار… لأن الذل والاستزلام أفقدهم البصر والبصيرة… ولأن استمراء العبودية وصناعة القمع تفرض عليهم أن يبقوا في صغارهم صغاراً أمام فجر حريتكم الكبير.
حماية ظالم: مآثر الشهامة السعوديةوجهت السلطات السعودية صفعة مخجلة للشعور العربي المبتهج بحرية تونس، حين قبلت استضافة الديكتاتور زين العابدين بن علي في أرض الحرمين الشريفين.
قال زعيم حزب النهضة التونسي المعارض راشد الغنوشي في برنامج (حوار مفتوح) على الجزيرة: (فليذهب بن علي إلى الجحيم لكنني لا أحب أن يكون في قبلتي) أي في أرض القبلة التي يتوجه لها المسلمون خمس مرات في اليوم. ورد الشيخ القرضاوي على سؤال وجهه له أحد مشاهدي برنامج (الشريعة والحياة): الحكم الشرعي واضح، لا يجوز تأمين الحماية والمأوى لظالم.
لن يعدم الديكتاتور المخلوع إيجاد مأوى ولو بالأجرة في النهاية… لكن رمزية استضافة السعودية له تبدو مؤلمة للشعور القومي، والمسألة لا تدخل هنا في ميزان الظروف الإنسانية أو قيم الشهامة العربية… ومن المعيب حقاً أن يقارن الصحافي السعودي جمال خاشقجي في معرض رده على هذه المسألة في برنامج (حوار مفتوح) بين استضافة السعودية لزعيم وطني عراقي هو رشيد عالي الكيلاني في الخمسينيات، الذي كان رمزاً من رموز الوطنية ومقارعة التدخل البريطاني، وبين ديكتاتور لم يذكره شعبه بكلمة خير واحدة، بل اندفع إلى الشوارع كي يمزق صوره، ويقتحم مملكاته وممتلكات أقربائه فيمعن في تخريبها للتعبير عن شعور الكراهية والألم الذي طالما امتلأ به في ظل حكمه. لا يشرف المملكة العربية السعودية باختصار أن تكون مأوى الظالمين وسفاكي دماء شعوبهم… ولن يسجل التاريخ لحكامها هذا الأمر يوماً باعتباره من مآثر النخوة العربية بالتأكيد، مهما دافع المدافعون وبرر المبررون!
شباب تونس: أمثولة الوعي وأنشودة الحرية بكى المواطن التونسي البسيط الذي اشتعل الشيب في رأسه وهو يتحدث في تقرير إخباري لنشرة (الحصاد المغربي) موجهاً كلامه إلى الشباب الذي صنعوا هذه الثورة، والذين قدموا لتونس ما لم يستطع جيله أن يقدمه، كما قال.
بكى منتشياً بحرية صنعها جيل طالما فقد الإيمان به، فإذا به يكبر في لحظة الحرية ليغدو أملا وقدوة ومعلماً، وليغدو الزمن الذي حمل التغير والكرامة… أما أنا فبكيت حين رأيت هؤلاء الشبان يؤلفون لجاناً أهلية لحماية أحياء وشوارع ومدن تونس، ولصون أمن الناس وممتلكات الأهل وتراب الوطن، بالعصي والهراوات والحجارة والعمل التطوعي الجماعي الحضاري. فشباب تونس وقفوا يحمون حريتهم التي انتزعوها، والتي أراد أعداء الحرية أن يخربوها ويجلسوا على تلتها، كي يقولوا إن الحرية هي صنو الفوضى والذهاب إلى المجهول. قال لنا شباب تونس الكبار باللجان الأهلية التي ألفوها بعد أن ضمدوا جراح المظاهرات والمصادمات والاحتجاجات:
الحرية هي الوطن الذي نحب… وهي الوطن الذي نحميه بعيوننا حين يكون وطناً للأحرار. وصدق شباب تونس في البداية وفي الختام…. فمهما حدثت من أخطاء أو تجاوزات أو خسائر… لن يستطيع أحد أن يعيد هؤلاء الأحرار إلى داخل القمقم، ولن يستطيع أحد أن يزرع فيهم خوفاً جديداً بعد أن كسروا خوفهم المزمن بأنفسهم ونزعوا قيودهم بأظفارهم، ودربوا أصواتهم المحبوسة على الهتاف للحرية وبذلوا دماءهم من أجلها. شكراً لـ (الجزيرة)! عادت (الجزيرة) لتلعب دورها الحقيقي في الانحياز لآمال وتطلعات الشعوب بالمعنى الحقيقي لا الشعاراتي… احتضنت الحدث التونسي بقوة، آمنت بنبض الحرية بلا أي تشكيك، حتى غدا هذا كله قضية شخصية ومهنية وإعلامية وأخلاقية… شكراً لـ (الجزيرة) حين تعي دورها وتؤمن به، شكراً للجزيرة حين تقوم بالواجب الذي يحتاجه كل من لا صوت لهم في إعلامهم، وكل من لا منبر لهم في أوطانهم… وما أكثرهم وأكثر أوطانهم!
ناقد فني من سورية[email protected]