حمد نزاللطالما كنت مصري الهوى، لا لسبب أعرفه سوى أنني كنت ‘ عرفاتيا’. وقد كان الأخ أبوعمار مصري الهوى فكنت على نهجه من غير أن أدرك بالضبط الحكمة من وراء شغف فخامة الرئيس الشهيد بهذا البلد وبشعبه. ولطالما صدقت بأن أرض الكنانة هي ‘ أم الدنيا’ ورددت المقولة من غير مجرد التفكير فيها، إلى أن شاء المسير أن أدلف بوابات نصرها لأول مرة وأنا أعانق الأربعين. وكان أن شربت من قصبها وعشت مع أهلها كما عاش ‘ الختيار’، فرأيت ما رأى وعرفت ما عرف: لا نيويورك ولا باريس ولا طوكيو ولا لندن ولا غيرها تمتلك ما تمتلكه المحروسة من ثراء. ليست ثمة ناحية في الكون تشبه مصر الفريدة ليس فقط في عراقتها التاريخية، بل وفي تجربة التعايش الإنساني بين البشر. إنه لمن الحري بعلماء الاجتماع أن يدرسوا عنصر ‘ العشرة’ الذي يبرع به المصريون بحيث يجعلون التعامل اليومي سهلا ومبهجا بغض النظر عن أقسى الظروف وأشدها ألما. إنهم قوم ‘ عشريون’ يفرحون بالتواصل وينشدونه مما يخفف من قلق الحياة وكآبتها التي تحني الظهور إلى التراب. شاطرت المصريين الضيق من الحال العربي الراهن. فالمصري اليوم – كالكثير من العرب – يعاني ويعاني لتوفير حقوقه الأساسية المفترض أن تكون مصانة بحسب الدستور، ومقدسة عند جميع البشر وهي الطعام النظيف والماء النقي والعمل الكريم والتعليم. عوضا عن ذلك، فإن المصري – أكان سنيا أو قبطيا أو بيتيا أو صوفيا أو تركي الجذور أو يونانيها – ظل لعقود طويلة صابرا يسعى بحرقة دم وبتعب كبير لتوفير اللقمة لأطفاله والحليب لصغاره بدلا من أن يستمتع بوقته في الإبداع والبناء والسفر والتمعن بالطبيعة أيام العطل كما تفعل شعوب العالم المتقدم. مثل جل المصريين، لم أقبل الحجج، لا ولا الضحك على الذقون… ضخامة عدد السكان في الصين مثلا، تحولت – بفعل إدارة شبه رشيدة – إلى مصدر قوة. وضآلة عدد السكان في بعض البلدان العربية، لم تمنع حكوماتها من الغوص عميقا في تلال الفاقة والبؤس. الفساد واللصوصية وتجويع الناس وإذلالهم، ترافق جنبا إلى جنب مع غياب حكومات حسني مبارك عن التنمية وعن إدامة البنية التحتية للمدن وللأحياء المصرية. إنه’ أمر لم ينكره سوى مطبلي النظام القلة الذين قبلوا الرشوة التي لم يرضَ بها جل المصريين، فاختار سوادهم الفقر لكن مع الشرف. لو تم الاعتناء بالشوارع والأرصفة والزبالة في بولاق الدكرور مثلا، لصارت مثل خان الخليلي بل وأهم. المصري هناك افتتح مجمعات تجارية وبوتيكات أنيقة وورشاً مفيدة وعمل كل ما بوسعه لتحسين حياته، لكن لم توجد اليد التي تمد إليه لتساعده ولتساعد مستقبل الدولة نفسها التي تعتمد على رفاهة الناس ورضا المواطنين كي تستمر في السيادة عليهم. فشل حزب مبارك مرارا وتكرارا، فكان ما كان وبدأت ثورة الغلابة. الجيش المصري، اليوم، يلعب دورا مريبا. وعليه أن يختار لا أن يحتار: هل هو جيش لأبناء أرض مصر، أم هو جيش لأصنام صفوت الشريف وأسامة سرايا وشفيق وسلمان والمفتي ومشايخ الدجل وغيرهم الكثير من عبدة الديكتافرعون حسني؟ هل سينضم الجيش إلى البلطجية الذين اطلقتهم الشرطة قبل فرارها لترهيب شرفاء مصر؟ هل سينفذ الجيش المصري – الذي اختار أن يقتصر عمله إلى الآن على حماية مرفقات ومؤسسات الدولة الرئيسية – مذبحة بحق بنات وشباب مصر الذين لا قصد لهم سوى أن يقفوا بشموخ كما يقف أبو الهول؟
قصب السكر ( العصير)، خمر الغلابة… يوحد المصريين الذين يجتمعون كباراً وصغاراً على النواصي لشربه. وهو يجلب السعادة والصحة مثله مثل كل ما ابتدعه الخالق. سينتصر قصب الغلابة في معركة ‘ الريد بول’، فالأول صحي وثمنه جنيه واحد لا غير، والثاني يؤذي المعدة وبأكثر من عشرة جنيهات. هي الحال التي ستنتهي إليها الأمور لا ريب: ستنتصر ثورة الغلابة على كل الذين اعماهم الجشع وأفقدهم ضمائرهم. سينتصر شباب مصر على تخلف نظام العولمة الجديد الذي ينهب الشعوب ويفرض عليها أنماطا استهلاكية / بلاستيكية تضر الأرض والبشر والبحر، ويفرض عليهم أيضا التخلي عن عادات وقيم أصيلة توصل لها أجدادنا وأورثونا إياها مع حضارة عجيبة اعتمدت على الصبر والكرامة والتسامح حتى في وجه الأنذال. الصبايا والشباب المصري ‘ الفلة’ النازلون علينا من عرين الشمس برحيق زهر ربيع نبيل، مثلهم مثل حضارة أجدادهم العظام يستندون إلى المنطق والشموخ وسنظل نجهل سر أبهتهم تماما مثلما ظللنا لقرون نجهل الكثير من أسرار النيل. فقط نقف أمامهم بذهول! وليقف الجيش المصري معهم ومع ضميره بخشوع! صحافي مستقل يدير موقع مجلة ‘ الواشنطوني العربي’.