الرئيس لا يعرف فارق التوقيت زكريا عبد الجوادتكمن المشكلة دائما في فارق التوقيت. فالجنرالات الذين يمسكون بالسلطة، ثم يختالون كالطواويس، يأتون في البداية بأحلامهم، وسرعان ما يطلقون زخات مفرطة من الوعود، يداعبون البشر بملامسة النعيم، ويحشون بطونهم بالأماني. بعد أشهر قليلة، يمسكون ‘ المقشة’، يكنسون من ‘ أرض الوطن’ كل غبار العهد ‘ البائد’، يفصلون القوانين ـ على مقاس المرحلة التي هي في العادة ‘ تاريخية’ ـ يطلبون من الجوعى التحلي بمزيد من الصبر انتظارا لشمس الوطن التي ستبدأ في البزوغ. بعد سنوات، يتغير لون عيون الثوار، تتحول في الغالب الى حمرة قانية، يقطبون جباههم وهم يلقون الخطب الرنانة، اذ لا تهاون لديهم في العادة مع أعداء الوطن، من المشككين واليائسين والمعارضين الذين راحت ألسنتهم ترغي وتزبد. يخرج الجنرال الذي ينجح بعد ‘ نضال’ في التخلص من بعض رفاقه، وحيدا هذه المرة يمد يده في جيوب سترته، فتطلع كريات من نوع مختلف: أوامر، نواه ٍ، زجر، ردع، ويتكفل اعلاميو التطبيل بإسالة أنهار من عبارات لزجة تدور كلها عن رقة قلب السيد الرئيس، وحكمته التي فاقت ما كان لسليمان الحكيم. بعد سنوات أخرى، تحلو السلطة، تزداد عينا ‘ صاحب الحكمة’ التماعا ونواياه أطماعا، ويتضخم خنوع المنتظرين الصابرين، ينقبون في الارض وفي السماء وفي قصة ‘ أيوب’ للجنرال عن مبررات، يلوم الراضون المنتظرون أنفسهم، لأنهم سمحوا يوما للشياطين أن يوسوسوا في نفوسهم بهواجس تشكك في نوايا راعي الوطن، ببشره وفنونه وآدابه وثقافته ورياضته وعلومه. يستكين الناس، يقبـّلون الأكف ظهرا وبطنا، يحمدون الله على أنهم يعيشون في كنف السيد الرئيس الذي لا كنف لهم سواه. لكن الحياة تضيق، الهواء الذي كان يدخل الى الصدور يتقلص، أعمار بأكملها تضيع في الانتظار، الوعود البهية تتبخر، واللصوص يمرحون في طول البلاد وعرضها، يمتصون ‘ الضرع’ حتى يجف، ‘ يشفطون’ النهر حتى تتشقق الأرض، فتخرج من بين الشقوق عصافير، تخط طريقها واثقة، فتندلع في الميادين أغنية الخلاص.
بعد كل ذلك، يستغرب ‘ صاحب كل الألقاب’: كيف خرجت الملايين؟ كيف جأرت حناجرهم بالصوت العالي؟ المشكلة دائما يا صاحب الفخامة،.. المشكلة دائما ليست في الطيور التي غادرت أوكارها لتغرد.. بل في قراءتك أنت… لفارق التوقيت.