القاهرة -ا ف ب: في ‘يوم الرحيل’ تجمع عشرات الاف المتظاهرين في ميدان التحرير، أدوا صلاة الجمعة، بكوا شهداءهم، ثم انطلقوا بحماس يدورون في ميدان التحرير صابين جام غضبهم وهتافاتهم على شخص واحد هو الرئيس حسني مبارك.
القسم القريب من مجمع التحرير في الميدان غص بالمصلين الذين احضر بعضهم سجادة صلاته، في حين اكتفى الاخرون بورقة صحيفة يسجدون عليها في هذا المكان الذي لم يغادره بعضهم منذ اسبوع. الشيخ خالد المراكبي أمّ المصلين بصوت جهوري وكلمات مدروسة تتلاءم مع توجهات الشرائح المتنوعة التي تشارك في اعتصامات ميدان التحرير المفتوحة منذ الخامس والعشرين من الشهر الماضي. قال عن الاعتصامات ‘نحن حركة مصرية، ليس لنا اي حزب يعبر عنا او عن مطالبنا، الكل جاؤوا الى الميدان مسلمين ومسيحيين (…) ومن يريد ان يفاوض عليه ان يأتي الى هنا ويتكلم معنا’. وينتمي الشيخ المراكبي الى انصار السنة المحمدية، وهي جماعة دينية اصلاحية معتدلة ليست لها اي اتجاهات سياسية. ودعا ايضا في خطبته الى ‘الثبات حتى النصر’ مضيفا ‘نطالب بتغيير النظام وتعديل الدستور والافراج عن المعتقلين والغاء قانون الطوارىء الذي هو نقطة سوداء في تاريخنا’. وتابع ‘لا للظلم لا للاحتكار لا للمهانة لا لما ترفضه القيم والاخلاق’. بعدها ادى المتظاهرون صلاة الغائب على ارواح ‘شهداء الانتفاضة’، وبعضهم في حالة تأثر شديد وقد اغرورقت اعينهم بالدموع. وما هي الا ثوان على انتهاء الصلاة حتى اطلق المصلون المتظاهرون العنان لهتافاتهم بحماس منقطع النظير، مع لازمة تتكرر بين هتاف وهتاف هي ‘ارحل ارحل’. وسجل مدخل كوبري قصر النيل الى ميدان التحرير بعد الصلاة دفقا كبيرا لقادمين جدد ارادوا المشاركة في ‘جمعة الرحيل’. كان قسم كبير منهم من الطبقات المتوسطة والميسورة، من الشبان المتأنقين والفتيات اللواتي ارتدين الجينزات الانيقة للمناسبة، على خلاف الذين امضوا ليلتهم في الميدان بثيابهم المتواضعة المغبرة. فطين حماد (53 عاما) عاد من غربة في الولايات المتحدة وابو ظبي دامت 23 سنة ليشارك في ‘الانتفاضة’. يتكلم الانكليزية بطلاقة كبيرة ما جعله هدفا للصحافيين الاجانب الذين اجروا عدة مقابلات معه. ما يريده بسيط ‘تغيير الامور والانتهاء من ديكتاتورية متسلطة مترافقة مع سرقة اموال الشعب’، وهو مستعد للقدوم يوميا حتى تحقيق رحيل الرئيس المصري. يسري (41 عاما) وقف صامتا عند مدخل الميدان وهو يحمل لافتة كتب عليها ‘من يصنع نصف الثورة يحفر قبره بنفسه’. وقال شارحا ما كتبه ‘ان النظام لن يرحمنا في حال تراجعنا من نصف الطريق، لن نتوقف حتى يرحل الرئيس فورا’. سعيد عبد الرحيم امام (55 سنة) يعمل ميكانيكي تبريد، حمل كفنا كتب عليه ‘هذا كفن مواطن مصري مستعد للموت في سبيل مصر’. جوابه جاء بسيطا ‘مستعد للبقاء هنا والموت حتى يسقط النظام’. وفرضت قوات الجيش طوقا امنيا مشددا للمرة الاولى بهذه الشدة حول ميدان التحرير. وكان لا بد من السير على الاقدام اكثر من كيلومتر للوصول الى مدخل الميدان من جهة كوبري قصر النيل. وبانتظار اجراءات التفتيش وصل عدد المتجمعين بانتظار دورهم عند هذه البوابة الى عدة الاف. اما ‘الجبهة الساخنة’ في ميدان التحرير وهي المنطقة الفاصلة بين ميدان التحرير وميدان عبد المنعم رياض بمحاذاة المتحف المصري فقد كانت هادئة للمرة الاولى منذ ايام عدة. والسبب ان الجيش اقام منطقة فاصلة بين الطرفين يصل عرضها الى نحو 150 مترا ما جعل من المستحيل العودة الى تبادل التراشق بالحجارة.