الولادة الجديدة

حجم الخط
0

إنه الإعصار أو المخاض أو البركان أو تسونامي سياسي. ولادة جديدة للشعب، إنبثاق جديد لمفاهيم جديدة للشعب والسلطة. إنها عملية تطهير وإنصهار كبرى. يبقى السؤال عالقا لا يغيب أبدا فارضا مشروعيته الدائمة بانفتاح المستقبل فالإجابات غير وافية تماما لعمق السؤال عن حقيقة الثورة التونسية. إن الاشتغال الفكري قد ولج الآن ساحة عربية جديدة. من هنا والآن. إن معطيات الجاهزيات المفاهيمية على مستوى الفكر الفلسفي والإيديولوجي والإجتماعي تتزحزح بفعل الإنفجار الجديد المدوي ‘زمكانيا’. الإشتغال الفكري مدعو إلى جدلية النازل والصاعد. الفكر مدعو إلى الاغتسال باللحظة التاريخية الراهنة فيتعطر بدمائها ( قربان الآلهة في تجسد المطلق شعبا). العقل مدعو إلى اكتشاف إرادة المطلق في تجسده التاريخي الجديد. من نحن؟ سؤال هوية الكل الجديد. يتسابق في سفره الزماني بسرعة الضوء. ذاك المتراكم الكمي الذي أدى إلى التغير النوعي. ذاك الموجود بالقوة ( بلغة أرسطو) ينوجد الآن بالفعل. الآن المهرول في زمنية المستقبل بكل حرية وأمل وثقة وليس ذاك الآن الذي بلغ فيه اليأس منتهاه. الآن الذي يؤسس كينونة جديدة وليس الآن الذي تشظت فيه الكينونة وسافرت في عتماته أراجيح الماضي الميت غير الفاعل والحداثة الجاهزة الميتة. الآن المنبثق الآن في الوجود هو آن الحداثة العربية، الحداثة الإنسانية الجديدة التي من شأنها أن تتجاوز تناقضات الحداثة الغربية بكل تفككاتها وضياعها. إن سؤال النهضة العربية بإجاباته المتناقضة قد غدا الآن مجرد تراث فكري. لم يعد هم الجموع هو اللحاق بالغرب أو الارتداد إلى صورة إسلامية تغذي الحنين إلى الماضي المجيد دون إجابات فعلية عن الحاضر المعاش أو تكتيكات الوحدة العربية بقيادة الزعيم الملهم المطلوب منه أن يكرر سيرة صلاح الدين أو حتى رسول الله كما أن الاشتغال الفلسفي الآن لا يقنع بمجرد سرد الفلسفات الغربية وإنما اكتشاف آليات التفكير الفلسفي وإبداع آليات تفكير أخرى لإنتاج فلسفة عربية مبدعة جديدة من شأنها أن تروي عطـــــش الأسئلة الجديدة، أسئلة العقل الوثاب ذي الطبيعة الذهنية العربــــية الإسلامية التي لا ترى تناقضا بين المادي والروحي، بين الوحي والعقل، بين الفيزيقي والميتافيزيقي. الاشتغال الفلسفي مدعو إلى تطهير الذهنية العربية من عفونتها الميتافــــيزيقية كما أن البناء الأخلاقي مدعو إلى الخروج نهائيا من دائرة الطمع والخوف. إن نداء الحرية هو الشعب الآن. العقل يجب أن يتحرر الآن فلا حرية بعقل مكبل بآليات مبهمة، فوضوية وغير منطقية. إن جوهر الحرية الأخلاقية هو الفعل في ذاته من أجل ذاته. فعل الواجب الأخلاقي بما أنه قيمة في ذاته وليس بما أنه مطمع ذاتي أو خوف متلبس برؤية ميتافيزيقية ساذجة متعفنة تسقط صورة السلطان الواهب والقامع على الذات الإلهية . من هذه الأرضية الأخلاقية تتأسس ذهنية عربية حديثة تؤسس عقلا إنسانيا جديدا..هيثم شطورو – تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية