تتسابق المواقع الإلكترونية في هذه الأيام على كشف المستور، ونضح المخبوء، وبيان ما غمض واستغلق على صاحب الاهتمام المسكون بقضايا المجتمع، ومعاناة الأمة، المحبط من تصرفات المستكبرين، المغبون من بيانات المتحكمين، المصدق لتصريحات الممسكين بزمام الأمور، بعد أن اعتقد أصحاب الوثائق أن ما يملكون في قرار مكين، وحضن أمين لا يصل إليه أحد، ولا يتحدث بشأنه كائن، ولكن هيهات. فإن عصر التكنولوجيا الذي أريد له أن يخدم أناساً بعينهم قد تمرد عليهم، فكان لهم ما كان لغيرهم، ولعل ما نشره موقع ‘ويكيليكس’ من أسرار، وما جاء به من أخبار خير دليل على ذلك، فقد أحرجت به دول، وفضح به أرباب سياسة كثيراً ما ادعوا الحكمة والكياسة.
أما أن تدخل القنوات الفضائية على الخط لتقيم الدنيا وتقعدها بما تملكه من إمكانات، ووسائل دعاية ونشر، فإن هذا شيء أكثر إثارة، خصوصاً إذا كانت مثل هذه المحطات واسعة الانتشار كقناة الجزيرة، وبغض النظر عما قيل أو يقال في هذا الأمر، فإن انفراد هذه القناة بنشر وثائق المحادثات الفلسطينية الصهيونية التي جرت بين مفاوضي السلطة في رام الله وسدنة العصابات الصهيونية، شيء مثير حقا، وإذا كانت هذه الوثائق صحيحة ولا أظنها غير ذلك فإنها المأساة بعينها، تظهر الى اي درك انحدر المفاوض الفلسطيني وهو يسير من تراجع إلى تراجع، تماما كالحجر الذي يتدحرج من رأس التل لا يتوقف إلا في قعر الوادي، إنَ ما يرد في هذه الوثائق يظهر للمواطن الفلسطيني مقدار التفريط بالثوابت، وأن المفاوض الذي يظنُ أن ما قاله ووافق عليه خلف أبواب مغلقة لم يكن أميناً على قضيته، تلك القضية التي عمدت بالدماء، وسقط في سبيلها مئات الآلاف من الشهداء، حتى إذا وصل الأمر إلى نهايته، ووصلت الأمور إلى التوقيع، جاء دور المغتصب الباغي فأظهر ما وقعوا وأبان ما اتفقوا، وعندها لن يقال: سوى أنهم باعوا أوطانهم.
لقد سارع أركان السلطة في رام الله إلى نفي ما وَرَدَ في الوثائق بكل أوتوا من ذرابة لسان، والباس الحق بالباطل، متهمين ومكذبين تارة، وتارة أخـــرى بلي الألسن والتهجم على هذا وذاك، أو بالتهرب مدعين أن هذا تكتــــــيك، أما الإستراتيجية فهي ثابتة، مع العلم أن الشعب الفلسطيني الذكي كثــــيراً ما سخر من تكتيكهم هذا حتى على السنة المغنين وأصحاب الأمثال.
لقد قال الشاعر الفلسطيني وهو يرى الأحوال والأهوال:
لا يلام الذئب في عدوانه إن يَكُ الراعي عدوَ الغنم وهذا ما ينطبق على حالنا، ونحن نرى قدس الأقداس يفرط بها، وأن تهويدها قائم على قدم وساق، والمفاوض الفلسطيني موافق على ما يجري ضمن خرائط وصلت خطوط التسليم بها إلى بوابات الأقصى، وليت الأمر وقف عند ذلك، فالمفاوض الفذ العبقري يرى أن المسجد الأقصى يمكن أن يكون له حل وضمن أفكار خلاقة، ولكنني هنا أقول: من أعطاه هذا الحق؟ ومن فوضه؟ إن أمثال هؤلاء لا يمكن أن يكونوا ممثلين لشعب مكافح، ذاق الويلات، ومرارة التهجير والتشريد والحرمان، وبذل عبر ما يقارب من مئة عام من بذل، وهو يحلم بالعودة، وتكحيل العيون برؤية فلسطين، على الرغم ما أريد له من نسيان وذوبان في المنافي البعيدة، والذي ضرب المفاوض العبقري بأحلامه جانباً، وهو لا يرى في عودة اللاجئين ما يمكن أن يتفاوض عليه إلا بعودة ألف لاجئ كل خمس سنوات. يا للعار! أهذا ما وصل إليه الحال، هل أصبح للأمة تجار يبيعون فيها ويشترون، ويساومون على مصير الأوطان، حمداً لله أن عرف الناس ما يجري وما جرى، لأنهم بعد ذلك سيكونون على حذر، فالتحقق مطلوب، في عصر لا يمكن أن يبقى أي شيئاً في عالم الكتمان، ولو كان وراء الغيوم. ويمكرون ويمكر الله، ولكن إلى متى؟
زيد أبوزيد