كلا لقد فهمونا يا أستاذ فهمي

حجم الخط
0

نبيل نايلي ‘على دبلوماسيتنا أن تكون فطنة، خلاقة ومسؤولة أكثر من أي وقت مضى’. بهذا التوجيه تكون وزيرة خارجية الولايات المتحدة، هيلاري كلينتون، قد قطعت الشك باليقين لتجيب على تخمينات المفكر والكاتب العربي فهمي هويدي، التي ضمّنها مقالا نشره بصحيفة ‘السفير’ اللبنانية، تحت عنوان: ‘لم يفهمونا بعد’. فلتتأكّدوا أستاذنا ولتقرّوا عينا، لقد فهمونا جيدا. فهمونا منذ سفر تكوين سايكس- بيكو، مرورا بزرع الكيان الصهيوني، فالإجهاز على كل نهضة والغدر بها، إلى اتفاقيات ‘سلام’ الإذلال والتركيع، التي أفضت إلى ما انتهيتم إليه في عملية جرد اختزلتم بها كل المرارت والهوان والغبن المصري والعربي عموما: ‘أهينت مصر حين تم تقزيمها وإلحاقها بمعسكر التبعية للسياسة الأمريكية، الذي دفعها إلى حصار غزة والإسهام في الدفاع عن أمن ‘إسرائيل’، مع التفريط في أمنها القومي’. وتلك مجرد عناوين تحتمل التفصيل والإضافة. لكن أهم ما فيها أنها كانت ثمرة سياسات اتبعت خلال تلك الفترة، وأوصلت البلد إلى ما وصل إليه من صغار ووهن. وعزل مصر عن محيطها العربي.

لقد راهنت الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها الغرب الاستعماري منذ صفقات الاستقلالات الوطنية، التي أرست التبعية وغذت الإقليمية، وحالت دون أبسط أشكال التعاون أو الاتحاد، على أنظمة عميلة مجرمة، بددت الثروة وقايضت السيادة وجوّعت الجماهير، وهمّشت القوى الوطنية، على أن تضمن لأسيادها مصالحهم الحيوية والاستراتيجية. لقد انحازت الولايات المتحدة الأمريكية لأعتى الديكتاتوريات، سواء بوطننا العربي أو بأمريكا اللاتينية، بل وقوّضت نظما ديمقراطية وليدة وواعدة، لتحلّ محلّها اوليغارشيات تفوق نظام مبارك بطشا وإجراما، وتنكّرت للمبادئ التي تدّعيها آلاف المرات، لأن ديدنها مصالحها القومية وأمن الكيان الصهيوني. يعلم الأمريكيون وكذا سائر تابعيهم، أن صناديق الاقتراع التي يهلّلون لها حين تتّسق نتائجها – استباقيا- ومشاريعهم الاستعمارية ونهمهم الإمبراطوري، تبدو الفزّاعة المرعبة، حين يعلمون أن خراجها ليس لهم. هؤلاء الذين سقطوا في امتحان الأخلاق والإنسانية ملايين المرات، سواء في فلسطين او العراق او أفغانستان او.. او.. او، لا تعنيهم دماء شرفاء مصر ولا تونس ولا غيرهما، فقط يعنيهم عملاءهم حتى يستنفدوا مفعولهم ويكملوا مهمّاتهم. لحظة يصبح هؤلاء العبء الأخلاقي والاستراتيجي الذي يضيقون به ذرعا ويعرّي نفاقهم ‘الديمقراطي جدّا’، يلفظونهم لفظ النواة ويفردونهم إفراد العير المعبّدة، لقد صمّ آذاننا صمتهم المتواطئ، وتصريحاتهم المراوغة يعطون النظام المصري فسحة زمن لسحق ماجدات مصر وشرفائها، ويبحثون عن نسخ كربونية بديلة تضمن أمن الكيان الصهيوني أولا، وتحافظ على نهج نظام الردة ثانيا، وتبقي على حجر زاوية سياساتهم مكانها، مخافة أن تتداعى باقي الأواني المستطرقة. هؤلاء الذين ينصبون محاكمهم أينما شاءوا ضد كل من عارض نهجهم، ويعرّضون دولا بأكملها لفتنة التقسيم والحرب الأهلية، بدعوى حقوق الإنسان والمعاهدات والمواثيق، هؤلاء الذين لم يتورّعوا عن اختلاق مبدأ استعماري مقنّع سمّوه زورا وبهتانا ‘حق التدخّل الإنساني’، خرسوا جميعهم وتركوا مصر تنهشها عصابات الفـــــرق الأمنية الخاصــــة، من يذكر ساعات الفوضى الأولى غداة اجتياح بـــغداد؟ هل هي الصدفة أن تتم العمليات نفسها في تونـــس وفي مصر؟ من يقف وراء هذه الخطط ولصالح أية جهة؟ إن الثوار في مصر لن يغفروا لهذه ‘الديمقراطيات’ الغربية ‘العتيدة’ التي تتشدّق بالقيم والمبادئ، تنكّرها لصرخة الشعوب وانحيازها الأعمى للطغاة، كما لن تغفر لهؤلاء الذين ينصّبون أنفسهم ناطقين باسم الثوار من أبناء مصر، ليتفاوضوا مع أزلام مبارك، متناسين أن المشكل ليس مبارك الشخص، ولكنّه مبارك النظام والنهج والسياسات، كما سيذكرون موقف المؤسسة العسكرية التي تدّعي الحياد وترضى أن يُنكّل بشباب مصر وهم على مرمى حجر، ولن ينسوا أيضا مؤسسة ‘الجامعة’ العربية التي لا تزال تمارس خرسها الاعتيادي والناس يذبحون أمام قبوها- مقرها. كما لن تنطلي عليهم شطحات أصحاب الدكاكين السياسية وصفقاتهم، من أمثال البرادعي، الذي سلّم العراق على طبق تنهشه الولايات والمتحدة، ولن نبالغ إذا قلنا أن هانز بليكس، المستقيل أيامها، أحقّ بالترشّح منه، وغيره كثير.

إن الذين راهنوا على عولمة الاقتصاد والثقافة والأمن في محاولة يائسة لاستنساخ، كائن ثقافي غريب ومنبت، سقط من حساباتهم أن الثورة هي الأخرى يمكن أن تُعولم، ليسقط المعبد على كهنة ودهاقنة التصحير والتدجين واغتصاب العقول، فتميد الأرض وتضيق بما رحبت.. أنصتي هيلاري، صرخة طائر الفينيق تبعثه ثورة تونس ومصر من تحت رماد سنوات الغبن والسلام الصهيوني، يحلّق فوق سماء قاهرة المعز، ينشد: ‘أنا إن قدّر الإله مماتي…. لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي’، ويبشّر بغد عربي مشرق. لاحظ، ومن دون شك، استراتيجيو وصناع القرار الأمريكيون وغيرهم ورصدوا أطلس الاحتجاج وهو يتوسّع من المحلّي إلى الوطني إلى القومي وربما الأممي قريبا، ليتحول إلى ثورة عارمة عناوينها استرداد الكرامة والسيادة والريادة. لقد فهمونا جيدا، أستاذ فهمي، وإلا ما كانت هيلاري لتصرّح أمس: ‘كلنا نقف على أرضية غير حصينة، ما يجري اليوم بمصر وبقية المنطقة يضع نصب أعيننا أهمية أن تكون لك قيادة ثابتة على أرضية صلبة، وفجأة تميد الأرض تحت قدميك… على صانعي القرار أن يقبلوا أن المراكز تماما كما الموارد يجب أن ترجح كفتها لفائدة من هم في أمس الحاجة إليها’.’ باحث في الفكر الاستراتيجي ـ جامعة باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية