احتمال تراجع الاحداث

حجم الخط
0

مهند النابلسيشيء واحد جعله يتقبل احتمال ما وقع، وهو ما قرأه منذ ايام في مجلة علمية، ملخصه انه اذا ما عاد الكون بعد ملايين السنين الى الانسحاق والتقوض، فستبدأ قبل وقوع الكارثة سلسلة من الاحتمالات، التي تشبه الخيال العلمي، بل وتتجاوزه، مطيحة بكل مفاهيم المنطق، فالاكواب المحطمة يتجمع حطامها ويقفز عن الارض رجوعا الى الطاولة، وتصبح احداث الحياة كفيلم فيديو مرتجع. ضحك من هذا الاحتمال، وتخيل السيارات تسير بسرعة للخلف والطائرات تعود عكسيا لمقالع انطلاقها، لا بد ان العالم سيصبح كوميديا في الايام الاخيرة قبل حدوث الكارثة، ولكنها نوع من الكوميديا السوداء المرعبة.. وماذا عن عودة الاموات الى الحياة من جديد وكيف سيخرجون من قبورهم؟ عليهم اذن ان يفكروا بتسهيل عمليات الدفن حينئذ وماذا سيحدث للمحترقين، المتحولين لرماد؟ وتذكر لوهلة آيات قرآنية من سورة يس: ‘ ونفخ في الصور فاذا هم من الاجداث الى ربهم ينسلون، قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، ان كانت الا صيحة واحدة فاذا هم جميعا لدينا محضرون’ . وتخيل سياسيا متشدقا وقد بدت كلماته وتفوهاته المزيفة تعود معكوسة بشكل كوميدي ساخر، وهل يتسع الوقت المتراجع حينئذ في عالم كارثي لتأمل المشهد والضحك عليه، ام ان الملهاة تنقلب هنا لمأساة لان الفعل العكسي الساحق لا يستثني شيئا او حدثا.

ثم استطرد في تفكيره: يا لخيبة أمل القاتل عندما يفاجأ بالرصاصة تعود مسرعة الى مسدسه، وللسياف المتوحش عندما يرتد سيفه عن رأس الضحية ويعود للالتصاق بالجسد، متزامنا مع اندفاع الدم المتراشق رجوعا باتجاه الرقبة، وللمشنوق ينتفض واقفا متحديا جلاده، سخر بحرارة من كل هذه الاحتمالات المثيرة، وانغمس في مجموعة من التمارين العكسية من دون ضوابط: المطر عندما يعود للسماء، ومياه الانهار تندفع بعكس مساراتها، والقافزون في رياضة الغطس المائي، الراكضون في سباق الماراثون، السابحون في البرك الاولومبية، حركات المنافقين وهي تعود معكوسة وتفقد دلالتها، سيجارة المدخن تلتئم متخلصة من حالة الاحتراق مع تراجع انفاس المدمنين، تخلص الوجوه والنظرات من كافة الانفعالات والعودة لبراءة الطفولة، ترك الصياد لفريسته والطائر لسمكته والجاني لضحيته، ثم انزلق في هاوية من السخرية فتخيل الجنين يعود لبطن امه، وتساءل كيف تحدث عمليات التراجع في حالتي البرق والرعد، وتصور عبثية التراجع في حالة لعبة كرة القدم واحباط المشجعين، واستنتج ان الحركات الايقاعية تبدو متشابهة عند تراجعها، مثل المضغ والقهقهة والثرثرة، اما التراجع في حالتي العطس والرعشة الجنسية، فيبدو تشنجا غامضا، وسيثير اشمئزازا بالغا في حالتي تناول الطعام والتبرز، ثم اعجبته هذه اللعبة فاستمر في تخيلاته العكسية، فماذا سيحدث لنص تاريخي سردي، متخيلا كتابة معكوسة للفقرة التالية: ‘وعندما كان بعض معاوني صلاح الدين يأخذون عليه سخاءه كان يجيبهم بابتسامة مرحة: ‘من الناس من لا يساوي المال عنده اكثر مما يساوي التراب’، والحق انه كان يحتقر الغنى والبذخ، وعندما اصبحت قصور الفاطميين الاسطورية في حوزته اسكن فيها امراءه مفضلا السكن في المقر المخصص للوزراء، وهو اشد تواضعا’.. واعتقد ان مثل هذه الفقرات تقرأ معكوسة على اي حال، فلا احد في عصرنا هذا يريد ان يقرأها بشكل مفهوم، لان من سمات العصر قراءة تعابير العظماء بالمقلوب، وعلى العموم فقد فقدت كافة التصريحات الرسمية للمسؤولين مصداقيتها مع ظهور بعد مغاير مناقض في وثائق ‘ويكيليكس’، ثم لمع في ذهنه سؤال اخير: كيف يرتد صاروخ ‘حضاري’ سريع مدمر ويعود القهقرى، وكيف يكون شعور الدمار والموت اللحظي العنيف لدى الضحايا الابرياء، وقد عادوا للحياة في لمحة خاطفة من الزمن، بعد ان فقدوا حياتهم فجأة في خطف البصر، تخيل الانفجار النووي لهيروشيما وقد تراجع الى ‘القنبلة الشيطانية’ وعودة السكان لحياتهم الامنة.. هكذا تصبح الاحداث بلا معنى، نوعا من الفراغ الرهيب كثقب ‘ ميتافيزيائي’ هائل في نسيج وصيرورة الزمن.

ثم استوحى اخيرا من الطريق اللولبي الهابط باتجاه الشارع المؤدي لمقر عمله، فكرة انارت تلافيف ذاكرته، فقد قرأ ان فيلسوفا عظيما قال: ان الطريق الصاعدة والطريق الهابطة طريق واحد. وبالفعل فالطريق من منزله لعمله وبالعكس هو طريق واحد، وكما التراجع العكسي للاحداث محتمل في الخيال العلمي وربما قبيل نهاية العالم، كذلك فالطريق بين الماضي والحاضر والمستقبل طريق واحد، ولا بد في اعتقادي من وجود كاميرا ‘ميتافيزيائية’ داخل دهاليز الدماغ البشري تفتح في جزء من الثانية وتطلع الانسان على بعض احداث المستقبل، وراح يتمتم مع نفسه… اجل كل شيء ممكن.. كل شيء محتمل. ‘ كاتب من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية