مطاع صفدي
منذ أن احتل الأخوان المسلمون حوالي ثمانين مقعداً في المجلس النيابي المصري السابق اعتبر العقل الاستراتيجي الأمريكي أن نظام مبارك شارف نهايته، إذ فقد مركزية الدور المُعطى له أمريكياً من حيث قدرته على وقف الزحف الإسلامي نحو قمة السلطة في أكبر قطر عربي، متميز تاريخياً بوظيفة القدوة لبقية عواصم العرب، في خيره وشره معاً؛ لقد أحس أهل النظام بما يعنيه فقدان الدور المركزي، هذا الثمن الذي يسوّغ الدعم لسلطة الحكم المطلق بالرغم من تناقضها الفاضح مع دعاوى دبلوماسية الديمقراطية الأمريكية المزعومة. فالنظام المصري لم يعد يشكل واحداً من أهم خطوط الدفاع الإقليمي بالإرهاب المضاد لما يُسمى بالإرهاب الإسلاموي. هذه المحصلة أرعبت أهل النظام إذ أدرك هؤلاء أن أمريكا سوف تطبق قاعدتها الذهبية المعروفة بالاستغناء عن العضو الفاسد في أجهزتها الأمبريالية قبل التسبب بما هو أعظم لكلية آليتها. من هنا حاول النظام أن يثبت أنه مازال أهلاً للمهمة الموكولة إليه، فأتى بمجلس نيابي زائف، خالٍ من أية معارضة إسلامية أو سواها. لكن التزوير كان فاضحاً قلّ مثيله، أمام رأي إعلامي دولي. هكذا جاء البرهان تأكيداً لانعدام مصداقية النظام على المستوى الشعبي. وقد فهم الغرب، وأمريكا في المقدمة، أنه حان وقت الاختيار ما بين شعب مصر الغاضب والمفجر لثورة غضبه قريباً، ولكن لحساب مصالحه الوطنية الخاصة به، وبين زعامة السلطة المترهلة، والمثقلة بإدانات البطش والفساد والعجز الإداري والسياسي.
حدث الانفجار المتوقع، ولكن مخالفاً لكل مواصفاته المتصورة والمعدة له في مخططات الأجهزة المختصة الأمريكية. ليس الانفجار (مدبّراً) من جهة داخلية أو أجنبية؛ إنها الثورة الشعبية بواقعها الذاتي غير المصنف بعْد في نظرية مسبقة، غير ممنهج في برنامج ثوري مرحلي أو سواه، غير قابل للاستيعاب الفوري أو المؤجل. فهو الواقع الفجائي الذي يزعزع ما قبله، ولا يكاد يَعِدُ بما سيأتي بعده إلا على سبيل التمنيات سلباً أو إيجاباً، بحسب فريقيْ الصراع الذي شرع في فرز الفروقات الهائلة بين أنصار الثورة من غالبية الشعب راهنياً، وأعدائها الحاليين والقادمين. فرادةُ الثورة الشعبية أنها حدث إنساني تاريخي، قائم بذاته، لا يمكن لأحد أن يدعيه إلا الشعب نفسه. وهنا المشكلة بالرغم من كل مزايا الفرادة. إذ لا بد لهذه الثورة من إنتاج ممثليها، حتى وإن لم يكونوا من قادتها الفعليين على الأرض. فمن يُبقي على ديمومة الثورة ما بعد مرحلة التجمهر والتظاهر. تلك هي مرحلة النقلة الأصعب ما بين الشارع والمكتب؛ هذا إن استطاع الشباب الغاضب الثائر أن يكمل الشوط إلى نهايته، أن يُسقط آخر فرعون من قمة الهرم الوطني.
فرادةُ هذه الثورة أن وقائعها الهائلة ترشحها لاسقاط تاريخ الاستبداد الفرعوني وأشباهه مصرياً عربياً، من جذوره، وليس للإجهاز فحسب على مجرد مرحلة عابرة مهما طالت، من حاضره البائس. (أعداء) الثورة هم الذين قد يدركون قبل غيرهم هذه الحقيقة، يتوجسون من الرهانات الكبرى الكامنة في طبيعة الثورة، فيما لو أُطيح برأس النظام، وشُرِع في إعادة هيكلته كلياً، بأيدي الثوار أنفسهم، أو تحت رقابتهم المباشرة على الأقل. الأمر الذي يوضح إلى حد بعيد هذا الاهتمامَ الغربي الأمريكي، عبْر تدخلاته اليومية المتواصلة في تطورات الحدث القاهري الفالت من كل عقال تقليدي أو مألوف، حتى في التصرفات الأمبريالية المباشرة. أوباما وموظفوه يشركون أنفسهم بالحدث، كأنهم صانعوه، يريدون الإيحاء أمريكياً ودولياً أنهم الأوصياء على متغيراته، واقعةً بعد أخرى، وساعة بساعة. فالرئيس السابق مبارك ليس سوى حاكم ولاية في أمبراطورية الأمبريالية الآفلة. وقد حان وقت عزله من منصبه، وأما من سيأتي بعده، وما شكل النظام الذي سيتولاه هذا القادم الجديد. فتلك بنود في أجندة البيت الأبيض، متأهبة للقفز إلى كواليس قصور القاهرة، ما أن تفتقر شوارعها إلى جماهيرها الهادرة.
الثورة على نظام الأنظمة العربية، بدءاً من الإطاحة بنموذجه الفرعوني الأكبر، تؤذن بانقضاء عصر الاستعمار الداخلي الأهلوي، تمهيداً للمواجهة المطلقة مع الاستعمار الخارجي الأجنبي الذي احتمى دائماً وراء وكلائه المحليين. لكن هؤلاء لم يكونوا ليحكموا شعوبهم دهراً طويلاً لولا أشكال الدعم الظاهرة والباطنة الهابطة عليهم من قمم الشرعية الدولية الزائفة. وفي هذا الوقت يتمسك الفرعون المنهار بأسطورة مشروعيته الدستورية، كيما يمنح أجهزته زمناً أطول في معالجة الشارع الثائر وإجهاض قواه وبعثرة تشكيلاته العفوية.
كأنما لن يسقط الفرعون وحده ولا حتى نظامه معه، وطبقته الفاسدة، وزبانية القمع، إلا بعد أن تستهلك كلُّ وسائل الابتزاز والبلطجة والتشويه، ومحاولات سرقة آمال الشباب من صدورهم وحناجرهم؛ فهي أنساق كاملة من فنون تدمير الثورات والانتفاضات، يتم استخدامها من يوم أو ساعة إلى أخرى في خلفيات ميدان التحرير، حتى هجوم (الخيّالة) و(الهجّانة)… فلم تبق حيلة أو أداة في قاموس إسرائيلي أو أمريكي و(صديق) عربي، إلا ويتم تجريبها؛ مع ذلك فالشعب المصري يرفد جبهات الثورة المفتوحة في معظم مدنه، بشلالات من شبابه حتى لا يبقى ثمة بيت أو حي إلا وله من يمثله من أبنائه في تلك الجبهات التي تعجّ بجيوش المسالمين المتصدين لوحوش الغدر والخيانة والارتزاق. نظام الفرعنة المستنفذ لإنسانيته منذ عقود، يطلق العنان لهمجيته المتأصِّلة. عبقرية الغرب تنجد سماسرة الفرعنة ومهندسيها بأحدث التقنيات في فن تدمير النهضة العربية من داخل خلاياها، وخاصة عندما لا يتبقّى للنهضة سوى سلاح الثورة لتدافع به عن مستقبلها المحتوم، عن بذوره المغروسة في قلوب أجيالها المتوالية.
كادت النهضة العربية أن تفتقد شعلة الثورة تحت رماد شبه اليأس من استعادة التماسّ أو الصلة التاريخية بين لهبة الحقد الإنساني المقدس وهشيم الهزائم المتراكمة. كانت (الأمة) كل ليلة تنام على ذل الصمت لتصحو صباحاً على مجزرة جديدة يشترك فيها قاتل عربي ما إلى جانب القاتل الأمريكي والإسرائيلي العلني والمموَّه. فقد أصبح للخيانات العُظمى ملوك ورؤساء وحكومات وأحزاب وشخصيات إجتماعية وثقافوية. احتلّت الخيانات العظمى لوائح القداسات على أنواعها. أمست هي (الحالة الطبيعية) للسياسة والاقتصاد وللأمن القومي والاجتماعي. صار إنكارُ مُثُل الحق والخير والجمال حُرْفة عادية لمعظم النخب المكرّسة في مواقعها العليا زوراً وبهتاناً. كأنما لم يتبق لمجتمعات الفساد من حيلة سوى التوافق الرمزي على أن أفضل الأحوال هي أسوأها؛ معنى ذلك فلسفياً أن يحذف العقل من كل علاقة تفاضلية بين الخير والشر، حدَّها الأول لحساب الثاني، بحيث لا يتبقى إلا الشر الذي يصارع نفسه بنفسه، ليتولد من هذا الصراع العدمُ المطلق، على مستوى القيم والمعاني، والواقع معاً.
الحاجة العربية إلى الثورة ليست سياسية أو أخلاقية فحسب، إنها الحاجة الكينونية المتصدية لملكوت العدم المداهم. فإذا كان ثمة خطاب توديعي للنهضة. فهو أنها، وقد حان أوان الثورة، لن تكون هي الراحلة. بل هو الطغيان راحلاً اليوم قبل الغد. فقد ارتكب الطغيان جريمة الجرائم التاريخية كلها، حين فرض على الأمة أفدح حرمان من الحرية، كشرط دائم لاستبداد الهمجية، كشرط لحرمان الأمة من الحضارة، ومن كرامة الحضارة.
هل يدرك فرعون مصر أنه كان العذر الشرعي لأقذر حقبة من مسلسل الكوارث والهزائم الكبرى التي ابتليت بها قضايا الحياة والموت بالنسبة لأهم شعوب هذه الأمة في العصر الراهن. وهو عندما يرفض الرحيل كأنه يريد الاستمرار حتى تفقد الأمة ليس حس الكارثة فقط، بل ذاكرتها إلى الأبد. لن يطمئن إلى موته قبل موت الأمة.
كان الإجهاز على القضايا المصيرية للأمة واحدةً بعد الأخرى، يتطلب حجز الأمة دون أدنى حراك دفاعي أو تضامني، ولا نقول ثأريّا وانتقاميا، كانت تلك هي مهمة العصر الفرعوني في القاهرة طيلة العقود الثلاثة المظلمة. فإنه، إضافة إلى محو آثار العهد الناصري من البشر والحجر في مصر، تمَّ استبدالُ دولة الثورة والنهضة بأتعس نموذج عن الدولة الفرعونية المنقرضة والقائمة على ألهنة الرأس واستعباد الجسد لكيان الإنسان والمجتمع معاً. فلم يخسر هذا الكيان عموده الفقري في تغييب أكبر قطر من كل معادلة أمن قومي او نهضوي مع العدو الخارجي والتخلف الداخلي فحسب، بل أمست فرعنة النظام المصري معياراً (جماعياً) لنجاح كل نظام قطري آخر في فرعنة سلطته ومنهجه.
حقبة الفرعنة المصممة هذه بمظاهرها وطقوسها بفسادها ومعتقلاتها ومجازرها، بذيليّتها المباشرة للأخطبوط الصهيوني في كل شأن سياسي أو أمني أو اقتصادي يخصّ المواطنية العربية المنكوبة، هذه الفرعنة قد تلفظ أنفاسها الأخيرة مع تهاوي صنم المومياء الحاكمة، لكن الجدث المتعفن لن يكف عن إنتاج جراثيمه، حتى وهو مدفون في قبره السحيق. للفرعنة أصنام أخرى كثيرة؛ يترنح بعضها، والبعض الآخر ينتظر. لكن إن انقضى ملك ملوك الفرعنة، فما يكون مصير المسوخ والاتباع الآخرين بعده.. المعركة ابتدأت؛ ولم ينته كل شيء بعد. والمستقبل هو حقاً للشباب العربي في كل مكان، في الأوطان والمهاجر. طالما تحدثنا وتحسّرنا على المشروع النهضوي؛ الإنكاريون اعتقدوا أنهم قتلوه وأشبعوه قتلاً. الآتون من الشباب العربي سيفعلون ما لم يفعله الأولون.. صاروا هم قادة المعركة وهم شعبها الخالد. على ضفاف النيل الخالد، وفي كلِّ عاصمة عربية منكوبة بقادتها الطغاة.’ مفكر عربي مقيم في باريس