بدأت شرارة الثورة العربية المعاصرة ضد الانظمة القمعية انطلاقها بعد سقوط نظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، مما نقل عدوى هذه الثورة إلى جماهير الشعب المصري، الذين حذوا حذو إخوانهم في تونس للمطالبة بتنحية نظام الرئيس حسني مبارك، الذي جثم على قلوب المصريين وأرضهم ما يربو عن 30 عاماً، ذاق فيها المصريون ضروب القهر والاستبداد، التي لم ير فيها الشعب إلا عمالة من النظام كانت في الأساس تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية. أما الآن فقد نزع الشعب المصري عن وزره غُبار الخوف والجزع من قمع الأنظمة الشمولية والدكتاتورية، وخرجت الجماهير تطالب بتنحية النظام الفاسد المتهالك من أجل الحرية وترسية نظام ديمقراطي يُرضي جميع توجهات الأطراف الفكرية والسياسية.
غير أنه بعد خروج الشعب المصري في مظاهرته المليونية السلمية، ومطالبته بنزول الجيش إلى الميادين لحمايته، واستمرار هذه التظاهرة حتى الآن لتصل إلى يومها الثامن، اتضح جلياً أن الجيش المصري للأسف لا يقل عمالة عن رئيسه حسني مبارك ففي هذه الساعات شهد ميدان التحرير اشتباكات بين المتظاهرين ورهط من أزلام النظام الدبق المتعفن، لزرع الفتنة بين أبناء الشعب الواحد تحت مرأى الجيش الذي يدعي بأنه يقف على الحياد ويحمي الشعب، وهو في واقع الأمر يقف في صالح رئيسه وسيده حسني مبارك، وهم يعرفون جيداً أنه هو ومخابراته، دون غيرهم، من زرعوا شرارة الفتنة وادخلوا جموع البلطجية بين صفوف المتظاهرين. فهل يا ترى هذا هو الجيش الذي يدعي بأنه سيحمي أرض الكنانة من غزو إسرائيل؟ هل هذا هو الجيش الذي يسمح لإرادة شخص واحد أن تُفرض على إرادة الملايين والجيش من بينهم؟ هل هذا هو الجيش الذي يؤيد خيار الشعب في تحديد مصيره، كما أفادت تصريحاته وهو يقف متفرجاً على شعب بأكمله تُزهق دماؤه من أجل بقاء سيادة الريس حسني مبارك؟
الآن يمكنني أن أبجل وأحترم الجيش التونسي القدير ورئيس أركانه رشيد عمار، الذي اتخذ موقفاً مشرفاً سيحفظه له التاريخ عندما رفض الإصغاء إلى أوامر الطاغية بقمع المتظاهرين، على الرغم من ولائه المسبق له، فهذه هي المواقف المشرفة التي تبقى عبر تعاقب الأجيال. كما انني عرفت الآن لماذا أرسل باراك اوباما مندوبه فرانك ويزنر للتفاوض مع النظام، لقد انكشف السر واتضحت الخيانة وهو (على النظام أن يصمد ويقمع إرادة الشعب المصري من أجل حماية إسرائيل ولو بالفتنة بين أبناء الشعب الواحد) ولكن ما زاد اسفي هو موقف الجيش المصري من هذه الأحداث. في الحقيقة لا يستغرب القراء هذا الموقف السلبي من جيش خضع لأوامر سيده في حرب العراق ودخل إلى جانب المصالح الأمريكية وحارب إخوته في الإسلام في العراق، فهل نستغرب الآن موقف الجيش المؤيد للنظام وأجندة السياسة الأمريكية؟ فهو بعمله هذا كما لو أنه أعلن حرباً ضد الشعب من أجل استمرار حماية النظام، وبذلك حماية إسرائيل التي تخشى تحولاً جذرياً في فكر الترسانة العسكرية المصرية بعد سقوط النظام، فهو حقاً جيش درب تدريباً أمريكياً على قمع الشعب من أجل حماية أمن إسرائيل. إذن لم يعد الآن للجيش المصري أي اعتبار بين شعبه الذي وضع فيه الثقة واحتمى به فهو بات يحمل شعار الخيانة ضد الشعب بكل معانيها، وسوف لن يغفر له شعبه ابداً هذه الخيانة العظمى في تاريخ مصر. إلياس العقاد