د. فايز رشيد
امتدادا لما جرى ويجري في تونس ومصر وتداعيات ذلك على دول عربية اخرى، ولعل من أهم هذه التداعيات، التأثير على الصراع العربي ـ الصهيوني، من زاوية عودته الى مربعه الاول، فثمة تغييرات محتملة تؤسس لمرحلة جديدة في الوطن العربي، هي بالتأكيد غير السابقة، من زاوية ظروفها الموضوعية، ومن حيث مدى تاثير العوامل الذاتية الجديدة فيها، شكلا ومضمونا، ومن حيث أن مؤشرات اتجاه حركتها يسير على طريق اذكاء عوامل هذا الصراع. من جانب ثان فان تجربة مريرة من التفاوض الفلسطيني ـ الصهيوني أثبتت بما لا يقبل مجالا للشك، استحالة وجود حلول مع هذه الدولة الصهيونية حتى العظم. انطلاقا من كل ذلك يأتي هذا المقال. مثلت الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي عقدت في القاهرة في حزيران/يونيو عام 1974 نقطة تحول في البرنامج الوطني الفلسطيني، وفي عموم المشروع الوطني التحرري لشعبنا، ذلك بطرحها البرنامج المرحلي، أو ما اصطلح على تسميته بــ(برنامج النقاط العشر). بعدها توالت التحولات من إقرار حل الدولتين، وعلى هامش هذا الحل وفي وقتٍ سابقٍ له بكثير، جرى طرح حل الدولة الديمقراطية الواحدة أو حل الدولة الثنائية القومية، وفي مرحلة ما بعدها من قبل البعض طرح شعار، دولة إسرائيل لكل مواطنيها. عملياً، فإن كافة هذه الحلول تحمل بين جوانحها تنازلات نسبية، بهذه الطريقة أو تلك عن الحق العربي في فلسطين التاريخية، من خلال سلسلة معقدة من الاعتراف بوقائع مفروضة، جاءت رغم الإرادتين الفلسطينية والعربية، من خلال هجرة يهودية إلى فلسطين، هجرة جاءت عنوة عن إرادة أهلها الفلسطينيين العرب، وما على هذه الإرادة إلاّ الاعتراف بالوقائع الجديدة وأبرزها، قبول هؤلاء المهاجرين أو أحفادهم كمواطنين في الدولة الديمقراطية، أو الثنائية القومية، أو الدولة لكل مواطنيها، هذا هو الخلل الأول في صوابية هذه النظرة.
الخلل الثاني، يجمع كل هذه التصورات ويشكل قاسماً مشتركاً أعظم بينها، وهو: تصور إسرائيل بلا حركة صهيونية، وهو الأساس الأول في افتراض واقعية الدولة الديمقراطية الواحدة، أو الدولة الثنائية القومية. هذا الافتراض التصوري لمستقبل إسرائيل، هو خارج حدود إمكانية التطبيق بالمعنيين التاريخي والعملي، فالمشروع الإسرائيلي قام بالاستناد إلى الأسس الصهيونية، وإذا افترضنا المستحيل وتصورنا إمكانية اضمحلال هذه الأسس، فستنتهي دولة إسرائيل. لقد أدرك الأيديولوجيون الصهيونيون هذه الحقيقة، ولذلك عملوا ويعملون على إحياء شعار (يهودية دولة إسرائيل)، الذي يجانب الواقعية إن تصورنا حداثة طرح الشعار، فهو كان الهدف في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، وجرى التعبير عن هذا الهدف أيضا في وعد بلفور، المقطوع للحركة الصهيونية عام 1917، بالتالي فإن مجموعة من الشروط ملازمة بالضرورة لبقاء هذه الدولة.. أبرزها التمسك بالأسس الأيديولوجية الصهيونية، التمسك بالعقيدة التوارتية، العدوان، تشكيل الخطر على الآخر. الذي ثبّت دقة هذا المفهوم، أنه وبعد ما يزيد على 62 عاماً على قيام دولة إسرائيل، فإن التطورات الأبرز فيها، هي المجازر والمذابح التي تقترفها الدولة الصهيونية العدوانية، والتعاليم والقوانين العنصرية لها وفيها، ونخطئ التصور إن توهمنا أن هذه الأسس مرتبطة بالأحزاب الدينية واليمينية فقط، انها القاسم المشترك لكافة الأحزاب الصهيونية يمينها ويسارها (ونقول يسارها أيضاً بطريق تجاوزي فلا يسار مع الحركة الصهيونية. وإنما نقولها للتعامل مع ما هو شائع في تقسيم التيارات في الحركة الصهيونية). بالتالي فإن التصور بوجود مواطنين إٍسرائيليين يتعاملون على المدى الزمني في دولة ديمقراطية تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين (سابقاً) هو تصور خارج إطار الزمن والتاريخ. الخلل الثالث في هذه التصورات، ان اليهودية ليست قومية، وإنما هي ديانة مثل: الإسلام، والمسيحية، وبالتالي، فإن القول بوجود الأمة اليهودية أو الشعب اليهودي هو خلل نظري كبير، إن ينم عن ظاهرة، فهي الجهل بالتاريخ والبعد عن الواقع والموضوعية، ولذلك فإن اليهود المعادين للصهيونية يرفضون هذه التسمية، ولذلك فإن شلومو ساند عنون كتابه بـ(اختراع الشعب اليهودي) وتوجد كتب كثيرة غيره، جاءت على نفس النمط مثل ‘إمبراطورية الخزر وميراثها’، ‘القبيلة الثالثة عشرة’، بالتالي ووفقاً لما يقوله روجيه غارودي في كتابه القيم ‘الأساطير المؤسسة للسياسات الإسرائيلية’ تحولت الصهيونية من عقيدة دينية إلى (عقيدة سياسية وعقيدة قومية) وفي ما بعد حكماً وبمشروعها في فلسطين تحولت إلى (عقيدة استعمارية). في نفس السياق جاء كتاب إسرائيل شاحاك ‘التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية، وطأة ثلاثة الاف سنة’. ليس هذه فحسب بل ما قبل ماركس ومروراً به، وهو الذي يقول (إن اليهودية استمرت بفضل التاريخ وليس رغماً عنه، ولذلك فإن تحرر اليهود يعني تحرر المجتمع من اليهودية)، ووصولاً إلى الكثير من الايديولوجيين الحداثيين: لا وجود للقومية اليهودية.
المقصود من القول، إن الاعتراف بدولة ثنائية القومية، هو جهل بالتاريخ وحقائقه، وبالواقع وظروفه، وبالمستقبل وإمكانياته.
لذا، فإن المشروع الصهيوني في فلسطين هو استعماري الجوهر، لكن الفرق بينه وبين المستعمرين الآخرين، يتمثل في أن هذا المشروع هو اقتلاعي للشعب الفلسطيني، وإحلالي للمهاجرين اليهود إلى الوطن التاريخي للفلسطينيين، الوطن الفلسطيني. وما دام التعامل مع المستعمرين الآخرين جرى من خلال مقاومتهم، فإن المشروع الصهيوني في فلسطين يجب مقاومته مئات المرات، ويجب اقتلاعه من جذوره أيضاً. الخلل الرابع في هذه التصورات، أنها تفصل بين الحقيقة الإسرائيلية الصهيونية ورديفها الثاني الاستعمار، فلا يمكن أن يوجد المشروع الصهيوني بمعزل عن هذا الرديف، الذي هو أساس وجود هذا المشروع، منذ مؤتمر كامبل- بنرمان عام 1907، الذي أوصى (بضرورة العمل على فصل الجزء الأفريقي من المنطقة العربية عن جزئها الآسيوي بإقامة حاجز بشري قوي وغريب، إنشاء قوة صديقة لنا وعدوة لسكان المنطقة). الصهيونية هي عنصرية متكاملة أيضاً (ابرتهايد)، عقدت اتفاقيات مع الحركة النازية، وساومت على دماء التجمعات اليهودية في أوروبا، ولذلك فالسؤال هو: أي تعايش يمكن إيجاده بين ممثلة هذه الحركة -إسرائيل ـ والفلسطينيين والعرب؟ وفي دولة واحدة أو دولة ثنائية القومية؟ إنه الوهم ليس إلاّ. الخلل الخامس لدى أصحاب هذه الدعاوى، أنهم يحاولون تقييد الأجيال القادمة من الفلسطينيين والعرب (باعتبار الصراع مع إسرائيل فلسطينيا عربيا) بمحددات الحل للمستقبل (على افتراض بقاء إسرائيل إلى ذلك الزمن)، من دون الأخذ بعين الاعتبار، حقائق المرحلة القادمة والعوامل الجديدة التي يمكنها أن تكون مستقبلاً، وهذا في حقيقة الأمر، اضطهاد ديكتاتوري أبوي، وابتعاد عن الحقائق وعن الموضوعية. مسؤولية الجيل الحالي أن يقدم ما بوسعه من أجل عملية تحرير فلسطين، لا أن يرهن المستقبل، بتصوراته، أو ما يعتبره صواباً. الخلل السادس لدى أصحاب هذه الحل، أنهم يفترضون تنازلات فلسطينية وعربية عن الحق في فلسطين التاريخية، وهذا ليس من حق أحد، ففلسطين ليس لأهلها فقط، وإنما هي حق من حيث تقرير مصيرها، للعرب، فإسرائيل ليست خطراً على الفلسطينيين فحسب، وإنما على الأمة العربية بكاملها، فوجودها ارتبط بالتآمر على هذه الأمة، ومنع توحيدها، بالعمل على تفتيتها إلى دويلات، والإسلاميون يعتقدون أيضاً بأن فلسطين (وقف إسلامي)، بالتالي فإن هذا الحل لا يصطدم فقط بعقبات صهيونية إسرائيلية، وإنما بعقبات شعبية فلسطينية وشعبية عربية وإسلامية أيضاً.
لم نبحث في مقدمة المقالة حل الدولتين، باعتبار أن عام 2010 أثبت بما لا يقبل مجالاً للشك، استحالة هذا الحل، فأقصى ما يمكن أن تعطيه إسرائيل للفلسطينيين هو الحكم الذاتي الهزيل، البعيد عن أية مظاهر سيادية. لقد كتبت مقالة منذ حوالي الثلاثين عاماً قلت فيها: ان إسرائيل وعندما توافق على هذا الحل هي مُضطرّة مُجبرة، بفعل ميزان القوى الذي حتما سيميل لصالح الفلسطينيين والعرب. هذه حقيقة مؤكدة لا نقاش فيها، وبالفعل أثبتت تجربة ما يقارب العشرين عاماً على المفاوضات مع العدو الصهيوني فشل وعقم ولا جدوى هذا النهج. الحل الوحيد للتعامل مع إسرائيل هو نهج المقاومة بكافة أشكالها ووسائلها، وعلى رأسها الكفاح المسلح، الذي كان وراء بعض التغيير في تصوراتها، مثل الاضطرار للاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني بعد أن أنكرت وجوده لسنوات طويلة.
أيضاً من ناحية ثانية، فإن البديل للمفاوضات مع العدو الصهيوني، ليس انتظار فرصة أخرى للمفاوضات، فهي لن تكون أفضل من سابقاتها، وإنما بعودة الصراع إلى مربعه الأول، ومنطـــلقاته الأولى، وهو عائد إلى تلك الدائرة شاء البعض أم أبى، فالصراع يفرض حقائقه، والرفض الإسرائيلي لحل الدولتين، يفرض حقيقته أيضاً. ما نقوله لا يدعو إلى التيئيس مثلما فهم البعض من طرح فشل المراهنة على الدولة الديمقراطية الواحدة أو الدولة ثنائية القومية في كتابي ‘قضايا حوارية، فلسطينية وعربية’، بل هو عودة إلى حقائق ومنطلقات الصراع أيّاً كانت صعوبتها، بدلاً من العيش في الوهم وفي السراب، الذي يحسبه الظمآن ماءً، فان أتاه يجده شيئاً آخر. الحل هو تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، والموضوع برمته مطروح للمناقشة.’ كاتب فلسطيني