د. علي محمد فخرو
ما يجعل ما حدث وما لا يزال يحدث في تونس ومصر أقرب إلى إرهاصات ثورة حقيقية هو أن أحداثهما كانت نتيجة تراكمات من الممارسات السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية الفاسدة الخاطئة المضرًّة بالناس، وبشكل لم يترك أحداً إلاُ وطاله، وبأعلى مستوى من أساليب الاستبداد المتعجرف.. فكان أن تكوًّن عبر العقود من السٍّنين شعور عام جارف بالحاجة إلى تغييرات جذرية شاملة في الأشخاص والسياسات والمؤسسات، بالحاجة إلى ثورة بكل متطلباتها المعروفة في أدبيات الثورات.
يلحظ الإنسان ملامح الإرهاصات الثورية تلك في ما قاله ويقوله شباب تونس ومصر أثناء لقاءاتهم التلفزيونية. إنهم ينشدون تحولات كبرى في حياتهم وحياة مجتمعاتهم تبعدهم عن حياة الظلم والاستبداد الأمني المذل، والاحتقار المتعمًّد لكرامتهم الإنسانية، والاستهزاء بأحلامهم الإنسانية المشروعة، والتهميش الكامل لتواجدهم عند اتخاذ القرارات. وهم يطالبون بالعدالة والحرية والنظام الديمقراطي غير المزيًّف والتوزيع العادل للثروة والدستور العقدي الخ….. إنهم يقولون كل ذلك بعنفوان غاضب، ولكنه الغضب المثير للاعجاب والاطمئنان لأنه موجًّه ضد الأشخاص الصًّحيحين، ضد المؤسسات الصحيحة، بالنبرات والطرق الصحيحة، ومن أجل تحقيق الأهداف الصحيحة. إنه غضب ثوري واعٍ وغير أعمى.
لنطمئن إذن بأن نوع وحجم الظروف الكريهة التي قادت إلى الانتفاضتين الشعبيًّتين في تونس ومصر ونوع الغضب الذي رافقهما لن يسمحا بنجاح محاولات الالتفاف الانتهازي حول الثورتين، والتي يمارسها رجالات ومؤسسات الحكم السابق ورموز بعض أحزاب المعارضة الفاشلة والمحاولة التسلُّق على حساب عرق ودموع وحياة شباب الثورتين.
ومع ذلك دعنا نذكٍّر هؤلاء الشباب بقول قاله شاب ثوري في عمر بعضهم، ارنستو غيفارا، من أن الثورات يصنعها الإنسان، ولكن الإنسان سيحتاج إلى أن يشكًّل روحه الثورية كل يوم. إن ذلك ضروري حتى لا ينتهي المطاف بكم إلى ما قاله الكاتب ألبير كامو من أن كل ثورات العصر الحديث انتهت إلى مزيد من تقوية الدولة. نعم، تقوية سلطة الدولة بدلاً من تقوية سلطة المجتمع التي تنشدونها.
وإذن كالحدًّاد ستحتاجون لتشكيل روحكم الثورية كل يوم لتواجهوا المدًّ الجارف من المحبطات. هل تريدون الأمثلة الشيطانية الظاهرة والخفيًّة التي ستهٍّدد روحكم الثورية؟ ألم يصف أحد فقهاء السًّلاطين ثورتيكما بالغوغائية، وبالتالي بضرورة انتهائها، وذلك تحت مسمًّى ‘وأطيعوا أولي الأمر منكم’، بينما يتناسى قول الحق’ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم’؟ أو قوله ‘قال أمًّا من ظلم فسوف نعذٍّبه ثم يردًّ إلى ربه فيعذٍّبه عذاباً نـــكرا’؟ ألم تلاحظوا ما يدًّعيه البعض من حقٍّ، لكن بهدف الباطل، عندما يتكلمون عن إعلاء الشرعية الدستورية على الشرعية الثورية الشعبية، وهذا حق لو أن الدستور لم يكن مزوًّراً ولم يكن قد صدر بإرادة الظالم المستبد، لا بإرادة الناس؟
ألم تلاحظوا أقوال المتحدٍّثين الغربيين يومياً من أنهم ضد منع المظاهرات بالقوة، وهذا حق، ولكنهم سرعان ما يغمسونه في طين الباطل عندما يضيفون بأنهم يناشدون الجميع عدم استعمال العنف، فيوحون بذلك أنكم أنتم أيضا، أنتم المسالمون ورمز الُّنقاء، تمارسون العنف مثل غيركم؟
ألم تلاحظوا شتًّى المحاولات عبر الأرض العربية لمنع التظاهر والتعبير الًّداعمين لثورتيكما حتى تهن عزائمكم بفعل شعوركم بالإهمال والتجاهل وبفعل زرع الاعتقاد الخاطئ فيكم من أنكم لا تزرعون نبتة التغييرات الكبرى في وطنكم العربي الكبير؟
ألم تنفطر قلوبكم هلعاً وأنتم تشاهدون وتسمعون الأقوال والآراء والمواقف والحلول المتناقضة التي تطلقها دكاكين المعارضة ويقولها عرًّابوها، بحيث يشعرونكم بأن من جاء لإسنادكم قد بدأ بخذلانكم؟ أما كان من حق شهدائكم وجرحاكم عليهم أن يكوٍّنوا قيادة مشتركة واحدة لا تنطق بكلمة واحدة إلاً بعد التشاور معكم؟
أما كانت خطوة نحو زرع الشكٍّ والرهبة في قلوبكم عندما سمحت قوات الجيش، ذاك الجيش الذي قابلتموه بالقبلات والأحضان والهتافات الحميمة، سمحت بأن يدخل على ميدان تجميعكم. بلطجية يركبون الجمال والخيول والحمير ويلوٍّحون بالسيوف والهراوات ليغتالوا ثورتكم في مصر؟
كلًّ ذلك وأكثر منه، وكثير منه لم تروه بعد، وجه وسيوجه إلى ثورتكم، والهدف واحد: وهو حرف غضبكم الثوري الناضج بعيداً عن المطالبة بالتغييرات الكبرى، بعيداً عن اجتثاث جذور شجرة النظام والتلهٍّي بتشذيب أغصانها؟ وإذن، يا شباب تونس الذي لا يزال يناضل لإكمال ثورثه و يا شباب مصر الذي يرابط في ميدان الحرية لتجذير ثورته، افتحوا أعينكم واسعة وامنعوا بكل وسيلة أن ينطبق عليكم ما قاله أحدهم من أن الثورة لا تنتسب لمن فجرًّها في الأول وإنًّما في نهاية المطاف تنتسب لمن أنهاها وادًّعاها لنفسه. من أجل أن لا يحدث ذلك أضيفوا يومياً إلى صفوفكم ثواراً جدد وليس فقط أنصاراً جدد أما نحن الذين نتمتًّع كل صباح بمشاهدة مسرحي الأحداث العظيمة في تونس ومصر فإننا يجب أن نذكٍّر أنفسنا بأن المشاهدة والمشاركة في التصفيق دون دفع قيمة تذاكر الدخول هو أمر غير أخلاقي.