الكتلة والفراغ وإعدام الحرية

حجم الخط
0

خالد سليكيقبل أسابيع قرأت مقالا للكاتب جابر عصفور حول حرية التعبير في العالم العربي، مفتتحا مقاله هذا بكلمة ليوسف إدريس التي قال فيها ذات يوم أن الحرية المتاحة في العالم العربي لا تكفي كاتبا واحدا لممارسة إبداعه في شكل كامل، وقد اعتبر – عصفور- أن الدرس الخلاق الذي تركه لنا يوسف إدريس هو أن الكاتب الحقيقي كالمبدع الحقيقي لا يمكن أن يستسلم للقيود المفروضة عليه وإلا فقد طاقاته الخلاقة، وأن الكتابة نفسها فعل اقتحام بامتياز، ونجسيد إبداعي لتحدي شروط الضرورة في كل مجالاتها تأكيدا لمعاني الحرية ودلالاتها وحضورها الفاعل ضد كل أعدائها وعوائقها..! غير أن هذا الدرس لم يتم استيعابه جيدا من قبل أحد أكبر المثقفين التنويريين الذي طالما احترمنا فيه الناقد والمنظر والأستاذ. وإن لم أفاجأ بقبوله تحمل حقيبة وزارة الثقافة في حكومة ‘رئيس’ صار مطلب كل الجماهير هو أن يتنحى، فإن مفاجأتي كانت في أن يكون أحد المتفرجين على الطلقات التي تصوب في اتجاه الصدور العارية. وأن يكون أحد المتواطئين، بصمته أو قوله أو توقيعه، على ‘بَلطجة’ الثورة الجميلة التي غيرت الكثير من المفاهيم والتصورات التي قولبت الواقع وفق قوالب الخطاب السياسي البائد. إن ما يثير، اليوم، هو أن المثقف العربي الذي نادى بالثورة المعرفية والفكرية والسياسية، لم يستوعب المعنى الحقيقي للـ ‘الحرية’، ولم يكن على بينة بأن لمفهوم الزمن أبعادا أخرى غير ‘الماضي’ الذي ظل الغالبية العظمى من المثقفين مشدودين إليه. لقد باتت المفاهيم التي عولجت أكاديميا وسياسيا متجاوزة ولم تعد تشمل كل الواقع بتعدده وتحولاته ووعيه الجديد.

اليوم، هناك حديث عن ‘ثورة الشباب’. ما المقصود بالشباب؟! أليس هذا محاولة من النخب لتقزيم الوعي الجديد والحركات التي تكشف عن تصور وفهم ورؤى مختلفة لما كان يعتقد به الجيل الذي تتلمذنا على يده؟ هل المسألة مرتبطة بالسن، أم أن الأمر أعمق من ذلك ومن ثم فإن المسألة لها صلة بتمثلات للحرية بما تحمله من حمولات جديدة مختلفة عن الفهم السائد؟ أليس ما يحدث، في المجتمعات العربية، الآن، هو نتيجة اتساع الفجوة التواصلية بين الجيل الجديد من الشباب والأجيال التي كانت تعتقد أنها الوصية على المستقبل، والتي استمرت تهيمن وتقمع وتسيطر بعقلية ‘أبوية’ بطرياركية محاولة توجيه وتقويض وتخطيط المسار الذي ‘ينبغي’ أن يسير عليه الجيل ‘المدجن’. أليس هذا الفراغ الذي ترك، حين اعتقدت النخب السياسية والمثقفة (بكل أصنافها وفئاتها)، هو الذي جعلها تضع جيلا بكامله على الهامش، وفي هامشه هذا وجد وسائل وعوالم للتواصل منفتحة على كل الاحتمالات والأبعاد والتناقضات، وهي في كل هذا تساهم في صناعة حرية التعبير والتفكير والتواصل وتحقيق ما يريده الفرد، بعد أن تم اختزال الزمان والمكان وأصبح العيش الافتراضي بعدا من أبعاد واقع هؤلاء الذين تُركوا بعيدا عن الاهتمام.

هي ذي ‘الحرية’ التي تعلمها هؤلاء. لقد تعلموا أن الواقع ليس هو ‘الزعيم’ الحزبي وبرامج الأحزاب التافهة التي تلطخ الصفحات من الزاوية إلى الزاوية بنفس الأسلوب واللغة والشعارات. لقد تعلموا أن الواقع هو الذي يصنعونه بأيديهم وبإمكانية التحكم فيه ‘افتراضيا’ حيث يذهب به بعيدا عن الفهم العادي وبإيقاع لا يفهم بالمنطق المتجاوز. وحين جرب هؤلاء، أول تجربة، لتطبيق ما يحدث في العالم الافتراضي على أرض الواقع فاجأوا العالم، وفضحوا الجميع. فضحوا المثقف الذي كان يتحدث عن ‘التنوير’ وهو أكبر معرقليه، فضحوا الحداثي الذي كشفوا عن انتهازيته، وفضحوا نظاما كاملا من القيم والمفاهيم الوهمية التي لا صلة لها بالواقع ولا بالافتراض… واقع المجتمع العربي البالي الذي لم تتطور مقاييسه ومعاييره لمسايرة التحولات السريعة والمختلفة لشريحة لم تُفهم وليست هناك رغبة في محاولة فهمها.

مع ‘الثورة’ الجديدة تبدو لنا أمور مختلفة تماما، يظهر لنا المستقبل الذي لم نتوقعه. تظهر في الأفق علامات فارقة في تاريخ التحولات الاجتماعية والوعي. تنفضح أساليب التدجين التي استعملت لصناعة وعي زائف مخادع، والتي بدا واضحا أن من استفاد منها هم أولئك الذين رفعوا الشعارات ودخلوا السجون كمعتقلين ‘سياسيين’، والذين هم من تنطبق عليهم صفة ‘شباب’ بالمعنى الذي يريدون إضفاءه على ‘الثوار الجدد’، حيث لم يكن لهم أفق نظر سوى الاستيلاء على السلطة والانتفاع وتحقيق المآرب كما أثبت تاريخ الحركات الوطنية في الوطن العربي، والحال أن هذه الثورات جاءت ضدهم وضد ‘استلزامهم’ وخواء مشاريعه وضد كل أنماط الوعي السائد الذي انتهت صلاحيته ولم تعد له صلة بالواقع.

إن من يصنعون هذه الثورات، اليوم، يتمثلون القيم الإنسانية سلوكا من غير أن يرهقوا أنفسهم بالتنظير لأنها جزء من وجودهم وكيانهم ويوميـّهم، عكس ما كان عليه الجيل القديم الذي كان يرفع الشعار لأن في ‘موسكو’ من يرفعه، وكان يكتفي بقراءة بقايا نتف من النظريات الثورية والتحررية. فحتى الآن لم نسمع عن مفهوم الزعامة عند هؤلاء كما كان يفعل السابقون. وهنا يبدأ دور المثقف والناقد. أقصد دوره في فهم ومحاولة فهم ما يريده الثوار الذين تجاوزوا القاموس المتهالك الذي أفرغ من شدة تكراره (الصهيونية، العمالة للخارج) لأن هناك إدراكا أن الواقع لا صلة له بهذه ‘الفزاعات’ ما دام أن فضائح الأنظمة العربية، من قمع وتقتيل، وتجميع الثروات في يد شرذمة من المافيويين بالاغتناء الفاحش، والتقتيل لا يوجد لها مثيل في الأنظمة الأخرى!! لقد سقط الواحد. سقطت الواحدية وفكرة التوحيد، وصرنا أمام التعدد المفتوح على كل التنوعات والاحتمالات، وصار التجديد هو المطلب الأساسي: تجديد القيم، تجديد الوجوه، تجديد مفهوم الزعامة، وصار المركز الذي ظلت تستولي عليه النخب منذ معارك الدولة الوطنية هو الهامش اليوم. أستطيع القول، أن جابر عصفور، ومن على دربه من حراس الثورة القدامى، لن يتحدث عن ‘حرية التعبير’ بنفس الكفاءة والحرية التي كان يتحدث بها حين تساءل قائلا: ‘وأنا أتساءل عن إمكان أن يتحمس رؤساؤنا حماسة الرئيس الأمريكي في الحديث عن الحريات، وأن يتقبلوا مثله النقد الذي ينهال عليه في بلده، وأن يعملوا على توسيع مساحة الحرية في بلدانهم، ويتحمسوا في القضاء على عوائق هذه الحرية… أين حرية التعبير في العالم العربي الذي نعيشه؟’أجب أنت يا أستاذنا في ‘درب التنوير’… إننا نشهد لك بأنك من بين أولئك الذين يوقعون على إعدام الحرية اليوم.’ كاتب من المغرب يقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية