الغضب الساطع بميدان التحرير يفتح نوافذ الحرية لسينما تنحاز للشعب في مواجهة الأنظمة

حجم الخط
0

‘الجوع’ نبوءة نجيب محفوظ وعلي بدرخانالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: مثلما يتحدث السياسيون عن ملامح المرحلة المقبلة من الحياة في مصر بعد ثورة 25 يناير تتبدى الرؤى الإبداعية الجديدة أيضاً لدى الفنانين وكتاب السيناريو والمخرجين، حيث الغالبية العظمى من هؤلاء يرون قدوم ثورة سينمائية موازية تواكب الأحداث الجسام.

وترصد التحولات الجذرية التي شهدتها البلاد خلال الأيام المجيدة لثورة الشباب أو ثورة الغضب، كما يحلو للكثيرين أن يطلقوا عليها، بيد أن عددا من المخرجين والكتاب المسيسين لمح إلى هذا الغضب الساطع وتنبأ به مبكرا، فهناك فيلم مهم جداً للمخرج الكبير علي بدرخان يحمل عنواناً صريحاًَ وواضحاً هو ‘الجوع’ مأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ يرصد تداعيات الفقر والبطالة.

ويحذر من مغبة الظلم ويبشر باندلاع ثورة عارمة يُسقط فيها الجوعى من الحرافيش وعامة الناس إمبراطوريات الفتوات، وهذا الفيلم واحد من سلسلة أفلام الحرافيش، وكلها مأخوذة ومنقولة عن الرواية الشهيرة التي تحمل نفس العنوان، أيضا كان المخرج الكبير توفيق صالح سباقاً في الالتفات إلى ظاهرة الجوع والخوف والتمرد، مؤكدا أن هذه المفردات الثلاثة غرائز تتحرك داخل النفس البشرية. ويؤدي عدم إشباعها إلى انتفاضات وصيحات وثورات، الفيلم الذي طرح خلاله صالح المعطيات الثلاثة لقيام أي ثورة يعد واحدا من كلاسيكيات السينما المصرية، وهو الفيلم الشهير ‘درب المهابيل’ بطولة الفنان اليساري الراحل عبدالغني قمر، وقد شاركه البطولة الفنان شكري سرحان، والأول أحد دعاة التنوير ومن المنحازين للسينما السياسية وسبق له أن اعتقل وتوفي في سن صغيرة واصبح ماضيا مشرفا، ولكن للأسف لم يتم الاحتفاء بقمر بالشكل اللائق، وفي المسافة بين درب المهابيل الذي أنتج في فترة الستينيات وبين الألفية الثانية كانت التجارب المنتمية لهذا النوع الإبداعي محدودة وفقيرة للغاية، ربما كان من بينها فيلم الزوجة الثانية للمخرج صلاح أبو سيف، الذي تطرق بشكل رمزي إلى القهر الاجتماعي الذي يمارسه العمدة المستبد صلاح منصور، مما أدى إلى تمرد زوجته ‘سعاد حسني’ عليه وتحريضها للفلاحين، فجاء مرضه وموته شافيا لأهل القرية الذين اعتبروا ذلك قصاصا من الله وتطبيقا للعدالة السماوية، ولعل فيلم ‘شيء من الخوف’ للمخرج حسين كمال والفنان القدير محمود مرسي جاء في حينه ترجمة لنهاية الطغيان، فقد أحرقت الجماهير الغاضبة من أهل الدهاشنة المنكوبة الطاغية بالنيران بعد أن حاصرت بيته وقتلت أعوانه، وهذا الفيلم كان مثار جدل واسع من جانب الرقابة على المصنفات الفنية، ولم يصرح بعرضه إلا الرئيس جمال عبدالناصر شخصياً، الذي رأى فيه عكس كل الناس موعظة وعبرة لمن تراوده نفسه ظلم العباد، وبمرور الوقت وفي ختام المسيرة الفنية للمخرج يوسف شاهين شاهدنا فيلمه المهم، ‘هي فوضى’ الذي جاء بمثابة توثيق لكل تجاوزات النظام في المرحلة الحالية، فقد صاغ شاهين بانوراما فنية درامية لكل ما يحدث في مصر من انتهاكات وجرائم رشوة وفساد واستبداد ومحسوبية واغتصاب، مشيرا بأصابع الاتهام إلى الشرطة التي تستخدم القمع والضرب والإهانة والترويع لإدارة الدولة الأمنية متكئة على قانون الطوارئ في إطلاق يد رجالها من الضباط والأمناء لضبط ايقاع الشارع على نغمة واحدة نشاز، هي الخوف والإرهاب، فشخصية أمين الشرطة التي جسدها الفنان خالد صالح كانت هي المحور الرئيسي للأحداث، ورغم ما طرحه الفيلم من مظاهر الفوضى وأشكال التعسف الأمني والقهر السلطوي، الا ان الرقابة اكتفت بوضع علامة استفهام أمام العنوان ليتحول من عنوان تقريري إلى عنوان استفهامي، وذلك اخذا بالآراء التي وجدت في الفيلم نوعا من التنفيس حتى لا يتزايد الاحتقان، وعليه تم العرض بجميع دور السينما، وحققت الإيرادات أرقاما قياسية وتوفي يوسف شاهين بعد أن قال كلمته الأخيرة في النظام وسجل اعتراضه بالصوت والصورة، بعدها جاء تلميذه خالد يوسف ليكمل مسيرة استاذه بعد ان استفاد كثيرا من تجاربه السابقة، فأهدانا تحفته الفنية ‘حين ميسرة’، التي وقف حيالها الجمهور بين مؤيد ومعارض ولكنها نجحت في رسم خريطة اجتماعية حقيقية على ضوء ما كان يراه كاتب السيناريو ويرصده بالكاميرا المخرج الواعد، عرض ‘حين ميسرة’ صورة من جميع الجهات لمصر الراهنة ـ العشوائيات ـ أبناء السفاح ـ الفقر المزمن ـ الإرهاب الأمني ـ الإرهاب الديني ـ فساد السلطة، وقسم كل هذه العناوين إلى مراحل بدأها من بداية حكم السادات وانتهى عند عصر مبارك، وأشار في سياق الصورة البانورامية المأساوية الى انتفاضة الجوع في 18 و19 كانون الثاني/ يناير عام 79 والتي أسماها الرئيس المؤمن ‘انتفاضة الحرامية’، ولم يكتف خالد يوسف ورفيقه السيناريست ناصر عبدالرحمن بهذا القدر، ولكنهما أرادا التأكيد على الآثار الوخيمة للعنف والفقر والبطالة، التي يترتب عليها بشكل حتمي قتل الشقيق لشقيقه واغتصاب زوجته والاستيلاء على حقوقه في الميراث والثروة، واغتياله إنسانيا قبل تصفيته جسديا وهو المعنى الوارد صراحة في الفيلم التراجيدي ـ الاجتماعي المؤثر، حيث يطلق الممثل محمد كريم الرصاص على شقيقه عمرو سعد من ظهره فيرديه وسط جموع الحاضرين في مشهد شديد البلاغة، عظيم التصوير، فتكون نهاية الأحداث والأشخاص بالفيلم الاستثنائي ‘دكان شحاته’ الذي هاجمه التابعون والمزايدون ومن يعانون من قصر النظر. مخرجون كبار آخرون طرحوا صورا واقعية من هذه النوعية كل ‘بطريقته، منهم من أراد الدخول في العمق مباشرة، ومنهم من فضل الثبات على مبدئه في عدم المباشرة تجنبا للاتهام بالفجاجة، فهناك مثلا المخرج مجدي أحمد علي الذي قدم منذ سنوات فيلمه الإنساني ‘يا دنيا يا غرامي’ متعاملا مع ذات الأمراض الاجتماعية المزمنة، البطالة والفقر والعنوسة وكافة الحقوق المفتقدة، وأعقب أحمد علي فيلمه المذكور بفيلم آخر جاء بعده بسنوات بعنوان ‘خلطة فوزية’، اقترب فيه أكثر من الواقع الاجتماعي القاسي والمؤلم، حيث لمس كبد الحقيقة وأطلعنا على ما هو خاف من الصورة المأساوية، متعاونا في ذلك مع السيناريست هناء عطية والبطلة التي جسدت الشخصية الرئيسية إلهام شاهين. أما المخرج اليساري المعروف داود عبدالسيد فكان أميل الى الجانب التحليلي في رؤاه الفنية، ففي فيلم ‘مواطن ومخبر وحرامي’ يضع الرجل العادي في منظومة المشبوهين، فمثلما الحرامي يعيش قدره كعنصر خارج القانون قسرا أو طوعاً، والمخبر يمارس دوره في التلصص على المقهورين من عباد الله ويمسك بيده كرباج الحكومة بحكم وظيفته، يعاني المواطن ايضا من كونه مواطنا مطلوبا منه أن يؤدي أدوارا ليست له، وإلا يسومه النظام سوء العذاب!

وفي تجربة وسيطة يقدم لنا داود فيلمه ‘عصافير النيل’ بشاعرية متناهية، حيث يمر على الأوجاع ويدقق في ملامح الأبطال المكدودة المرهقة بالإعياء والتعب، فيبرز المعنى الأبلغ لما ينتظرهم من مصير لا يخرج عن حدود الظلام الحالك ولا ينبئ بمستقبل افضل.

كذلك نراه يعيد قراءة الواقع بشكل مختلف في فيلم ‘رسائل البحر’ مشددا على اغتراب المثقف المصري في وطنه وبين أهله واختياره للعزلة كحل أمثل لأزمته، بعد أن صار فاقدا للقدرة على التكيف في ظل مجتمع مادي تُجهض فيه كل الأحلام ويعجز فيه اللسان عن التعبير والتواصل، ومن هنا نلحظ أن عبدالسيد في ‘رسائل البحر’ كان قد وصل الى مرحلة من القنوط واليأس ولكن شيئا ما سيتغير في نوازعه التشاؤمية بعد ثورة الغضب التي بالقطع ستفتح آفاقا أوسع وأرحب للتعبير، فهو ممن ينتمون للشعب ويرتبطون به ويعبرون عن واقعه بصدق. خيري بشارة أيضا واحد من الذين لديهم وجهة نظر في القضايا السياسية والاجتماعية، فهو من قدم فيلم ‘يوم حلو ويوم مر’ مع الفنانة فاتن حمامة، وألقى الضوء على لوحات الانسحاق تحت سنابك الفقر والحياة الاضطرارية التي يعيشها أغلبية المصريين، وليس ذلك فحسب بل كان أول الساخرين من حُلم السفر الى أمريكا في فيلمه ‘أمريكا شيكا بيكا’، خيري بشارة واحد من المخرجين المهمين الذين تحدثت معهم مرارا وتكرارا، وأعرف وجهة نظرهم في كيفية الأخذ بالأسباب الواقعية لتوثيق ما يستجد على الساحة السياسية فنيا وسينمائيا، سواء في فيلم روائي طويل أو فيلم تسجيلي، لكن لا يمكن الجزم في ظل الظروف الراهنة بإنجاز أعمال قريبة توثق لما حدث، حتى من يوجدون في المشهد الإعلامي اليومي لا يقطعون بذلك، والدليل أن حرب أكتوبر أخذت وقتا طويلا في الخروج على شاشة السينما، وربما يكون الأسرع في توثيق ثورة الشباب هي السينما التسجيلية لأنها المعنية بالدرجة الأولى، خاصة أنها أقل تكلفة في تجهيزاتها الانتاجية، وهذا يتيح لها الفرصة بالطبع لأن تسبق السينما الروائية في تناول الثورة، المخرج يسري نصر الله من المؤهلين للقيام بهذا الدور، فيمكن وضعه على رأس قائمة المهمومين بالسينما السياسية، وربما أكثر من لديهم فرصة الحصول على تمويل لصناعة فيلم جيد وقوي على غرار فيلمه ‘باب الشمس’ بجزئيه الرحيل والعودة، عن القضية الفلسطينية، خاصة ان نصر الله حرص على الوجود في ساحة ميدان التحرير يوم اندلاع الثورة في 25 يناير المجيد وما تلاه من ايام الغضب الساطع بنفس الميدان، خالد يوسف ايضا كان في طليعة المتظاهرين لكنه يرجئ مشروع الفيلم لحين اتضاح ما ستسفر عنه الثورة، وإن كانت النية في تجسيد الحدث الجلل بالقطع حاضرة في الذهن والوجدان، لا سيما أن سُبل الانتاج متوافرة، إما بالتعاون مع المنتج كامل ابو علي أو غيره من المنتجين أصحاب الرأس مال الوطني، الجديد في هذا المضمار أن هناك مقترحا من مجموعة من شباب السينمائيين، مخرجين وكتاب سيناريو وممثلين مسرح وسينما بعمل اكتتاب وطني لجمع تبرعات لانتاج فيلم روائي طويل عن الأيام الصعبة في حياة الثوار المتظاهرين، وما حققوه من معجزات كانت من قبل مستحيلة، بيد أن ما يطرح لا يعدو كونه أفكارا ومقترحات لا ترقى بعد لمستوى التنفيذ، حيث الملامح لاتزال غير واضحة، غير أن المتفق عليه بين جموع الفنانين، كبارا وصغارا، أن سقف الحرية سيعلو الى إقصاه إذا ما نجح المتظاهرون في تحقيق مطالبهم بالكامل قبل مغادرة ميدان التحرير وفرض إرادتهم بالقوة، ويجد فريق آخر من المبدعين أن المتظاهرين إذا ما عجزوا عن تحقيق كل ما يصبون إليه فيكفيهم ما تحقق خلال الأيام الماضية، أبرز المتفائلين بمستقبل الإبداع في المرحلة المقبلة الفنانون نور الشريف ومحمد صبحي ومحمود عبدالعزيز ورغدة وسهير المرشدي وعبدالعزيز مخيون والسيناريست مدحت العدل وآثار الحكيم وتيسير فهمي، الكل يراهن على الحرية المنتزعة وليس على الهبات الممنوحة بالتقسيط من النظام المترنح، ما يمكن التنبؤ به في ضوء ما نشهده وما يؤكده كبار المبدعين هو إعادة صياغة الحياة المدنية بكافة جوانبها، وبالطبع سيترتب عليها صياغة مختلفة للسينما والمسرح والأغنية وكل أشكال التعبير الفني، وستطرد العملة الجيدة العملة الرديئة على عكس ما يقول المثل الدارج، وإن غدا لناظره قريب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية