د. نهلة غسّان طربيه
في فندقٍ ناءٍ (أبعد من شرم الشيخ)، وُجِّهَتْ دعوةُ لعشرة أشخاص، من بينهم رجالٌ ونساء، للاستجمام لعدّة أيّام. وفي كلِّ يوم كان يُقْتَلُ واحدٌ منهم بطريقةٍ غامضةٍ ومرعبة، ويَختفي تمثالٌ لزنجيٍٍّ صغير، موضوعٌٍ في مكانٍ مرئيٍّ في غرفةِ كلٍّ منهم. يتبيّن فيما بعد أنّ هؤلاء الأشخاص نالوا عقابهم بسبب جرائم شتّى ارتكبوها خلال حيواتهم. القاتل الذي يحاسبهم ويحاسب نفسَه في لحظةِ ندمٍ وجدانيّة، هو امرأةٌ من بين العشرة تنتحر في نهاية الرّواية بسببِ جريمَةٍ ارتكبَتْها يوماً.
هكذا اختارتْ (أغاثا كريسْتي) حبْكةَ روايةٍ كَتَبَتْها عام (1939)، عنوانها الأصلي هو: (عشرة زنوج صغار)، أصبح فيما بعد: (عشرة هنود صغار)، وتَغَيَّرَ أيضاً إلى: (ثمّ لم يبق منهم أحد)، وذلك للتخلّص من الإسقاطات العنصريّة الّتي أحاطتْ بالعنوانين الأوّل والثّاني. في لحظةٍ عربيَّةٍ تاريخيّةٍ أُخْرى، ماكان فاصِلُها الزّمنيُّ طويلاً عن اللحظة التونسيّة النُّموذج، سقطَ تمثالٌ رئاسيٌّ آخر. هذا برهانٌ ثانٍ في غضونِ أقلِّ من شهرٍتَمَّتْ فيهِ وِلادَةُ (ثورة الياسمين)، على أنّ زمن الشّعوب الحيّةِ العربيّة يولَدُ من جَديد. إنَّ مادرسَهُ نظريّاً أغلبُ أبناءِ جيلنا العربيّ الحالي في كتب التاريخ عن الثوراتِ الشعبيّةِ العربيّة، التي دَحَرَتْ جحافلَ الاستعمارِ الأجنبيِّ عن بلادِها الغاليةِ الغالية، يتجلّى الآن عمليّاً فيُبْهِرُ نورُهُ، ويُدهِشُ لمسُهُ، ويَسْحَرُ صوتُه. يُكبِّرُ الأذان (اللّه أكبر)، وتَقْرَعُ أجراسُ الكنائسِ (المجدُ للّه في العُلا). نعم… في هذه اللحظة المصريّة بامتياز، تقمَّصَتْ ثوراتُنا العربيّةُ التي قرأْنا عنها: ثوراتُ الفلاحين، والصّيّادين، والفقراء، والشّباب، والكهول، والأطفال، والنّساء، مسلمين ومسيحييّن. هكذا كانتْ ثوراتُنا العربيّة، وبخصوصيّتِها المميَّزةِ جدّاً تَمّتِ الانتصاراتُ وتَمَّ دحرُ المُعْتَدين والظّالمين. إِنَّ جحافل الدّيناصورات الحاكمة التي ابتُلِيَتْ بها، للأسف، أغلبُ بلدانِنا العربيّة ضَيََّعَتِ الثورةَ وضَيََّعَتِ الأرضَ العربيّة. أمّا الشّعبُ الفقيُر فَظَلَّ يَحْلُمُ، لأنّه يعرف جِدّاً أنّه بالحلم وحدِهِ والسَّعيِ الجادِّ لتحقيقه، تطالُ اليدُ القمرَ البعيدَ البعيد. وهو يعرف أيضاً أنّ مَنْ يكنْ مظلوماً، يغدو حُلْمُهُ أكبر. صار حلمُ الشّعبِ العربيِّ المقهورِ أكبرَ من ديناصوراتِهِ الحاكمة، الّتي ماكانت لِتفهم البتّة أنّ زمنَ الدّيناصوراتِ َولّى، وأنّهاانقرضَتْ منذ زمنٍ بعيد ولم يعدْ لها مصداقيّةً حتّى في عالم الأطفال في القرن الواحد والعشرين. تربّعَتْ على كرسيِّ السُّلطة، تََنْهَبُ مع طغمةٍ من الصّعاليك، وتَجْلِدُ، وتوثِقُ الكُتُبَ، وتَكُمُّ الأَفْواهَ، وتأمرُ الغَمامَ بِحَجْبِ نور الشمس وابتلاعِ القمر، ناسِيَةً كُلَّ أشكال الطُّموح والرِّفعة، قابعةً في مستنقعاتِها الرّاكدةِ النّتِنة، تُسدِل الستائرَ السّوداءَ على حدود الأوطانِ النّضِرَة، وتحرق بيادر الحُبِّ والإخاء، وتُصادرُ أهازيج الحصّادين، وتسرقُ أغاني الأطفال من حقائبِهِمُ المدرسيّة. يا لَتَعاستِها! فقدِ انتهى أقصى حلمٍ لَها مع تربُّعِها على كرسيِّ الحُكم. وهكذا.. كَبُرَ حلمُ الشّعبِ الذي ينتظر وكَبُرَ، وصَغُرَتْ كرسيُّ الرّئاسةِ حتّى تَلاشَتْ. بوركَتْ ثورةُ شبابِنا الأبطال في (ساحة التّحرير) التي ستستعيرُها أغلبُ ساحاتِ بلادِنا العربيّة، كي تزرعَ فيْها شجرةَ حرّيّة، وتُقيم صلاةَ الجمعةِ وقدّاسَ الأحد، وتقولَ للعالم أجمع أنّ العربيَّ ليس إرْهابِيّاً، وأنَّ مِنْ بلادِهِ خرجَ كلُّ الأنبياء، وأنَّه متعطّشٌ للديمقراطيّة. إنَّ هذا العربيَّ الثّائرَيُعيدُ كتابةَ تاريخِهِ المجيد الّذي محا مجدَهُ حاكِمُهُ الظالم. ذلك التّمثال الجبان الذي يتهاوى جَزِعاً في كلّ مكانٍ الآن، سَرَقَ الثرواتِ العربيّة، وباع فلسطينَ حبيبةَ الملايين، وشقَّ الصّفَّ العربيَّ المرصوص، وزرعَ الطّائفيّة، ولبّسَ المسلمَ العربيَّ النّبيلَ تهمةَ الإرهاب. إنّ زمنَ الدّيناصوراتِ َولّى، وزمنَ القمعِ َولّى، وزمنَ الوراثةِ الفرعونيّةِ اندَثَر. الزمانُ الآن للشّباب الحيِّ، المثقَّف، لشبابِ (الهواتف الذّّكيّة)، و(الفيسبوك)، والتكنولوجيا، لشبابٍ تَكَلَّلَ جبينُهُ بالغار والياسمين، ويفخَرُ بأنّه عربيٌّ، ويستعيدُ أسماءَهُ العربيّة بعد الثورة وانتصار الحلم. نِعْمَ هذه اللّحظة في تاريخنا العربي، في القرن الواحد والعشرين، التي هي مُلْكُ الشّبابِ العاملِ، الكادحِ، المغوار. إنّها لحظةُ انتصارِ ِقيَمِنا العربيّةِ الأصيلة في الحقّ والخير والجَمال والسَّلام والتآخي مع كل إنسان أنّى كان ومَنْ كان. هنيئاً لنا عودةُ عصرِنا العربيِّ الذّهبيّ بزنود شبابنا السمر، نكتب للعالم أجمع أحلى القصائد العربيّة في الهجاء، عن حُكّامَنا الطُّغاة الّذين تآمروا على بني جلدتهم مع الامبرياليّات العالميّة، فسقطوا كلُّهُم، مع كلِّ ائتلافاتِهِم، (ثمّ لم يبق منهم أحد). ‘ أكاديميّة سوريّة مقيمة في لندن