د. سعد ناجي جواد
اعترف مسبقا بان هذا مقال عاطفي اكثر منه علميا او موضوعيا. نعم ابكتني مصر كثيرا وفي الغالب فرحا، بالتأكيد فان العراق وما جرى له ابكاني اكثر وسيأتي الوقت الذي اكتب فيه عن ذلك، ان شاء الله قريبا. ابكتني مصر في عام 1956 وانا طفل صغير لا افقه في السياسة شيئا، عندما وجدت والدي وعمي وشقيقي الاكبر يبكون فرحا لتأميم القناة وللانتصار على العدوان الثلاثي، وهم يستمعون في ركن منزو من الدار الى اذاعة (صوت العرب). وابكتني حزنا عندما هزمت في حرب 1967 ومعها هزم الوطن العربي، وابكتني حزنا ايضا، وانا الشاب القومي العربي حتى العظم، عندما تنحى رئيسها وبطلنا العربي جمال عبد الناصر بعد ايام قليلة. وابكتني فرحا عندما هب شعبها مطالبا بعودته، وكنا نحن الشباب في العراق من ضمن المطالبين والمرابطين عند السفارة المصرية في بغداد نطالب بعودته. ابكتني مرة اخرى وبصورة غير مسبوقة، عندما توفي قائدها وقائد العرب خالد الذكر وهو في عنفوان شبابه، بعد ان اعاد بناء مصر وقواتها المسلحة الباسلة على اسس صحيحة، متجاوزا الكثير من اخطائه السابقة. وابكتني عندما عبر ابطالها قناة السويس وحطموا خط بارليف ومعه العنجهية الاسرائيلية. وها هي امس تبكيني بعدما حقق شبابها الابطال المعجزة، باجبار نظام قاد الامة العربية نحو الهوان والتخاذل وخدمة المصالح الامريكية والاسرائيلية. نظام لم يبق للعرب اية كرامة او كلمة مسموعة. ربما كان في بكائي فرحا شيء ممزوج بالخوف على مصر وثورتها، لانها ستواجه تحديات كبيرة، لمعرفتي بان اعداء الامة العربية لن يسلموا بسهولة بهذه الهزيمة، ولن يرضوا بان تعود مصر الى حضنها العربي، بعد ان كانت الجسر الذي عبر منه معسكر التصالح والمساومة على حساب مصالح الشعب العربي، الا انه ومهما يحصل في الايام القادمة فان حقيقة واحدة ستبقى، وهي ان ما حصل في مصر وقبله في تونس الجبيبة، مثل ضربة قاصمة للمعسكر الغربي المؤيد لاسرائيل ولاسرائيل بالذات. منذ نعومة اظفارنا ونحن نعلم ان مصر هي اكبر قطر عربي، وان ما يحدث فيها لابد ان ينسحب على، ويسحب معه، بقية اجزاء الوطن العربي. لقد احيت مصر عبدالناصر الوعي القومي العربي بصورة غير مسبوقة. ونتج عن هذا الوعي الاطاحة بحكومات وانظمة كانت سائرة في ركاب الغرب. وعندما انحرف انور السادات عن الخط القومي العربي وتصالح مع اسرائيل، سحب معه مجموعة من الانظمة والتنظيمات العربية، في وقت لم يكن احد فيه يجرؤ حتى على التفكير بموضوع التصالح، ناهيك عن الاعتراف باسرائيل او قبول سفارة لها في عاصمة عربية، او التضحية بالقضية الفلسطينية. من المؤكد ان ما حدث في مصر واستمراره في طريقه الصحيح سيجر الوطن العربي الى مسار جديد صحيح وصحي، ان شاء الله. لكننا شاهدنا ايضا كيف بدأ المعسكر المصري المساند لخط السادات وحسني مبارك يغير من خطابه مع تطور واستمرار الثورة الشعبية، في محاولة لركوب الموجة المنتصرة حتى تحين ساعة الطعن من الخلف. وبالتأكيد فان هذا المعسكر هو فرح ايضا باستلام الجيش زمام الامور، ظنا منه انه سيتمكن من قيادة ردة مضادة تجهض الثورة في الاشهر القليلة القادمة، واتمنى ان يكون ثوار مصر في كامل وعيهم لاحباط هذه المحاولات. كما وجدنا عددا من حلفاء اسرائيل والولايات المتحدة في كافة ارجاء الوطن العربي يخرجون من جحورهم ويعبرون عن تأييدهم لثورة الشباب. حتى بعض الذين سهلوا الاحتلال الامريكي للعراق وتعاونوا معه اصدروا بيانات تضامن مطولة مع ثورة مصر، والكل يعرف ان هذه البيانات ما هي الا محاولة يائسة لتبييض صفحات اعمالهم السوداء. من هنا يأتي الخوف على تجربة مصر الرائعة. ومن هنا يجب ان لا نحمل الثورة المصرية اكثر مما تحتمل في ايامها الاولى. ان العيون والاذهان يجب ان تبقى مفتوحة ومتوقدة في مراقبة المعسكرات الاسرائيلية والامريكية وحتى الاوروبية. ان قيام الثورات امر عظيم وصعب، ولكن وأدها يبقى امرا ميسورا في حالة غياب الوعي والتشرذم والتفكك. شباب مصر مطالبون اليوم بالحفاظ على ثورتهم وادامتها. وان العرب الشرفاء مطالبون بمساندة هذه الثورة. شكرا لشباب مصر، وشكرا اكبر لشعب وشباب تونس الذين فتحوا الباب لهذا التغيير المطلوب في الوطن العربي. حفظ الله مصر وتونس وكل الامة العربية من كل سوء. اكاديمي عراقي