سقوط النخب بين النظام وحركة الشارع

حجم الخط
0

المشهد كبير وعريض ويمكن إتيانه من أي جهة أو منحنى، لا يدرك مدى التغير القادم إلا من له قدرة على الاستبصار، الرهان اليوم على المواطن الذي يفرض رأيه على المشهد، عليه ان لا يضيع مثل هذه الفرصة السانحة، قد لا تعود إلا بعد عصر من الزمان، يفرض على الاجيال مزيدا من التأخر والعجز. على الشارع أن يفرض نفسه وممثليه. يتحرك الشارع بفعل وبتوجيه وبتصور لا شك في ذلك، قد يكون ذلك التحرك ايديولوجيا وقد يكون غريزيا للمحافظة على الحياة. التحرك الايديولوجي للشارع غير موجود في الشارع الغربي لطبيعيته الديمقراطية أصلا. فالايديولوجيا بمفهومها السياسي خارج الاطار العربي. نعم هناك نخب أيديولوجية ولكنها اعجز من تفعيل حركة الشارع لاسباب عدة، منها غياب الاحزاب المفعلة للإطار الأيديولوجي، ثم إقصاؤها للاخرين، ومنها كذلك عقيدتها المغلقة التي لا تستوعب الاختلاف، بالاضافة الى اسلوبها الوصولي الذي افقدها ثقة الشارع تاريخيا، فهي في موضع شك ولا تزال، وهنا اود أن أشير الى بعض الملاحظات.

أولا: إذا لم يكن هناك إطار سياسي تتحرك فيه النخب بايديولوجياتها المختلفة، فلن تكون ذات فاعلية ولن تنشط أبعد من إطارها واهدافها الفئوية الضيقة، وهو ما تعاني منه النخبة العربية على اتساع الارض، تسرب هنا وهناك وانشقاق في موقع وآخر، والتحام بالسلطة حينا، وطلاق بائنٌ معها أحيانا أخرى.. ثانيا: اذا لم تتمكن هذه النخب من ردم الهوة بين الشارع والنظام بشكل يجعل النظام مدفوعا على معاملتها واعتبارها جزءا لا يتجزأ من الشارع مصدر التغيير الحقيقي، فلا وزن لها مهما عقدت من اجتماعات ومؤتمرات، وهذا الأمر واضح كل الوضوح في مسرح السياسة العربية، نخب تتحرك ميدانيا داخل الفنادق وأروقتها، بينما الشارع يسير جنبها من دون استشعار لهذا الحراك.

ثالثا: أظهر الوضع ارتباك النخب على أشكالها وجعلها تتداعى الى قصعتها، محاولة منها لركوب تيار الشارع والاستئثار بجزء منه، فها هي لجنة الحكماء من النخب، وها هم الاخوان المسلمون واستنجادهم داخليا وخارجيا بالقرضاوي وغيره للانخراط بالشباب في الشارع، بغية التقرب من مصدر تفجر الافكار المفاجئ لهم جميعا.

رابعا: الاتجاه الايديولوجي لا يعني القدرة على التغيير، فالقدرة على التغيير تعني حركة وتضحية ومواجهة واضحة مع النظام، وهو ما لا تقدر على إتيانه كثير من النخب، فهى تعيش في المنطقة ‘الرمادية’ بين الفكر والنظام إذا أحسن فلها، إذا أساء واقترب موعد زواله فلها كذلك حق التصرف والالتفاف.

خامسا: من فضائل الازمات أنها تفرض حقائق جرى استبعادها وتجاهلها طويلا، على الرغم من ثباتها كذلك، ولكن التوازنات السياسية قد تغفلها ولا تكترث بها طويلا: فضيلة الحوار وكأن الامر جديد على أولي الالباب، يتداعى الجميع اليوم للحوار ويطالب به، حتى مع من يرفض الاعتراف بوجوده سابقا، كموقف السلطة المصرية مع الأخوان المسلمين، من اللااعتراف الى الحوار مباشرة، ففرح النظام هنا يوازي فرح النخبة ‘الاخوان’، وذلك بفعل طرف آخر له مطالبه الخاصة وقد قد لا يمثل ذلك الاخوان ولا غيرهم.

سادسا: إعادة الاعتبار للأجيال وكسر مسلمات الامتداد الوصائي لجيل على آخر أو لفكر على فكر، هذه مسلمة لدى الغير هناك ترتيب للمواقف والافعال من كان يتحرك في السبعينيات مثل كيسنجر، يمكنه اليوم أن يوصي أو يقترح لا غير، منطق العصر، بينما يشيخ الولدان في عالمنا مع فكر واحد وبرنامج واحد وشخص واحد، حتى إذا مات، انبرى تلاميذه يكررون ذلك كتكرار الببغاء. إن أزمة الامة تتمثل في عدم إدراكها للعصر ولا للإنسان ومحدوديته، وفي إغفالها للحاضر على حساب الماضي، كذلك على اعتبار أن الخبرة هي النشاط والفعل، وعلى اعتبار أن الحاضر لا يمكن أن يثمر حتى يصبح ماضيا، فأي مستقبل ننتظر ونحن نريد منه أن يتحول الى ماض أولا حتى ندخله في الاعتبار وفي الوعي. إن الامم الواعية هي تلك التي تجعل من الزمان كله مستقبلا، وهل وجدت إنسانا اليوم لا يفكر في ساعته القادمة واحتمالاتها. إنه المستقبل فقط ولذلك تسيد الشباب الموقف، وإن حاول بعض الماضي أن يندس بين فجوات الزمن ولكنه سيسقط بين هذه الفجوات إلا من نصيحة أو خبرة ترتجي أو وصية تُحيي ألباب قوم يعلمون.

عبدالعزيز الخاطر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية