في ‘ قبيلة من الأنهار’ لعلي جعفر العلاق:
عبداللّطيف الوراري ذاكرة الشاعر.. بسخاء المحبّ وأريحيّته: لأربعة عقودٍ من زمن التحوُّلات الصعب والمتسارع الذي كان يعبره طوفانٌ سياسيٌّ وثقافيٌّ هائج، كان علي جعفر العلاق يقف هنا والآن. يضع حياته في القصيدة، ويتجاوب مع نداءاتها في ذاته، والأمكنة التي ارتحل إليها، والوجوه التي صادفها وصادقها. كانت القصيدة، في نظره، هي ما يؤسّس هويّته باستمرار، لتظلّ ترياقاً لعبوراته وملاذاً له من جُمّاع الدمامة والزُّور والاغتراب. بخصوصية شديدة، حدّد هذا الشاعر الواسطيّ علاقته بالقصيدة باعتبارها سماءً مبتلّة بالفضة، أو امرأةً تنبثق من جرح في الريح، فيما هو يرتفع بآلامه وآماله إلى مستوى الرؤيا خفيفاً، مُشعّاً، ومفتوناً بحزنه العظيم عبر دبيب اللغة البلّورية الصافية. وبالقدر الذي كان يحفل فيه بالإصغاء إلى ذاته في زمنها، كان يُلقي بالاً وارفاً على تجارب ممّن تأثّر بهم، ونقل إليهم سحر البدايات وقلقها، وعاش معهم لحظات المرض والموت بنبرة تأسٍّ وتفجُّع مؤثِّرة، وهم ينحتون قصائدهم وأرواحهم حسب الحجوم والأيام والمناسبات، وكلّما كانت مباهجهم العابرة تزداد ارتفاعاً وإيغالاً في التراب كـ’ قبيلة من الأنهار’ كانت نشوته لا حدود لها.
في ‘ قبيلة من الأنهار’: الذات، الآخر، النصّ’* يتحدث الشاعر والناقد علي جعفر العلاق، المحسوب على جيل الستينيّات الشعري في العراق، وأحد أهمّ رُوّاده الفاعلين، عن شعراء وكتّاب كان تأثّر بهم في بدايات تجربته الأولى، والْتَقاهم في محطّات من عمره في الحياة والكتابة والمنفى، ولا يفوته اليوم أن يتذكّرهم بسخاء المحبّ وأريحيّته. هكذا كانت تتقاطع سيرة الذات وسيرة الآخر، وتتصادى لغة الشاعر الحميمة المأخوذة بفتنة الشعريّ مع لغة الناقد العالمة بشكل تشفُّ فيه عن ضروب الوصف والتأمّل والمعرفة. يٍستبصر الشّاعر ولا يُفْصح عن ذاته، ناقداً عارفاً ومُحيطاً بالظُّروف، إلا في فترات محدّدة تعقب لحظة الاستغراق في الكتابة والتأمُّل في لا حول. الشاعر ـ الناقد: هذا التجاور الذي نعثر عليه، هو مبعثٌ للراحة والشعور بالانتشاء العارف، ولكن للأسئلة المقلقة. فاجتماع هاتين الملَكتين، في وجه من الوجوه، يعكس الصراع الداخلي بين الغريزة والعقل، بين العاطفة والواجب. إنّنا نجد أنفسنا معه في ملتقى حركتين متضادّتين ومثمرتين في آن: حركة تتّجه إلى الآخر، وحركة تتّجه إلى الذات، في فاعليّةٍ تحلم وتهيم وتُؤنْسن الكائنات والأشياء، وآخر يُحلّل ويستقصي، وهو في منتهى ابتهاجه الحسّي والمعرفي. الاستراتيجية التي اعتمدها علي جعفر العلاق، إذن، وبنى الكتاب عليها، أنّه كان يقرأ ذاته في مرآة الآخرين، ويتأمّل سيرتها في سيرهم التي لم تكفّ عن الحنين والشهادة، ولم يكن يستطيع أن يمضي في ذلك ويتوهّج بعيداً عن ضوء أرواحهم الذي كان يضيء العتمة ويبدّد الدويّ الكاسر، فهو ‘ لا يكتفي بذاته، ولا ينغلق على مكوّناتها، بل ينتمي بعمق، أو يُشير بقوّة إلى تلك القبيلة من الأنهار التي ترفل بالماء، أو الضوء، أو الكوارث’ ( ص7). واجب الصداقة: من ذاتٍ إلى ذاتمن ذاتٍ إلى ذات بوصفها آخر، كان العلاق يحكي سيرته بقدر ما سيرة الآخرين الذين انتسجت صداقاته معهم، بعد أن انبثقت إمّا من لقاء بالصدفة، أو من رغبة وحلم، أو من موقف طافح بالوفاء والمحبّة، أو سياقٍ محتدم بالحرج أو بالغيظ. كانت هذه الصداقات تغنم وفاء السرائر وصمتها وحياءها في أزمنةٍ من العمر الجميل والمُمضّ من الازدهار فالذبول والديكتاتورية، ثُمّ انتهاءً بالفاجعة التي فرّقت الأصدقاء ووزّعتهم بين منافي الوطن والذّات واللغة.
يهتمّ العلاق، من مقالةٍ في الصداقة إلى أخرى، بكلّ ما هو إنساني حتّى وإنْ بدا بسيطاً وتافهاً. يتحدّث عن كلّ ذلك بلغةٍ متعدّدة فيها كثيرٌ من الشعر، وهو ما يظهر من عناوين الفصول ـ الشذرات الكاشفة، كأن يصف السياب بأنّه ‘ جديد كشجرةٍ موغلة في القدم’، ونازك الملائكة بأنّها ‘ اقتحمت البحر، وتقدَّمت جيلاً بأكمله’، ومحمد الماغوط بـ ‘ نسر شعري بمخالب منقوعة بالدموع’، ومحمد شكري بـ ‘ قمر يبزغ من أسمال طفولته’. وما نلمسه أيضاً في ثنايا الكتاب من جمل وعبارات وصفية تشبيهية وإيحائية كثيرة تنحو بالمجاز منحى تشخيصيّاً ومرئيّاً مؤثِّراً يمنح الملفوظات شحنة تعبيرية مضاعفة، كأن يُشبّه أدونيس بأنّه ‘ ملاك مثخنٌ بالضوء والطعنات، فأيقظ بلغته الجهنّمية ورؤياه المحرقة ماء اللغة’ ( ص31)، ويصف يوسف الصائغ أثناء محنته، بقوله: ‘ كانت الريح تهبّ قبالة روحه، مثقلة بالدم والوحشة، وكان يجلس وحيداً على سريره البارد وليس معه ما يُضيء به سهره الطويل إلا مخيِّلة مكتظة بالكوابيس وجثّة امرأة لا تريد مفارقته’ ( ص68)، وبنفس النبرة الطافحة بالأسى والتفجُّع تحدّث عن رشدي العامل بأنّ ما تبقّى له في أيامه الأخيرة لم يكن سوى ‘ نافذة بالغة الضيق، وسرير بارد، وعكّازة واهنة’ ( ص73). ولمّا مات محمد الماغوط بالصادق الكبير الذي ‘ اجتاز ساعات الكذب الأولى من نيسان بقليل، تاركاً لموته أن يغمر هذا الشهر بالحزن والعشب والرغبات’ ( ص98). كما في اللغة كثيرٌ من شعورٍ بالحزن والاغتراب والفقد، وهو الذي يتحدّث عن أغلب أصدقائه بعد موتهم ومعاناتهم في ظروفٍ لا إنسانية صعبة، فجعل ذاكرة الكتاب تتوتّر بين الغياب والحضور، كأنّها قوْسٌ نافرٌ في البراري. ولكم كانت مثل تلك اللغة بليغة قدر ما هي صادمة، ولا سيّما عند حديثه عن الشاعرين يوسف الصائغ ورشدي العامل والناقد محسن إطيمش وأستاذه في الجامعة جلال الخياط. كان العلاق يتحدّث عن زمنهم المنقوع بالخسارات في الحياة والكتابة، بقدر ما كان ينقل لنا تفجُّعه الصادق بموتهم الكتيم والصادم واحداً تلو الآخر، بلهجةٍ تشفُّ عمّا في مزاجه السمح الرقراق من محبّة ووفاء نادرين لأصدقاء من طينةٍ خاصّة قضوا في الجوع والغربة واليأس، وقال عنهم إنّهم ‘ يتناثرون على طرقات العالم أو تحت نجوم الله الخافتة ويأكلهم الحنين إلى وطنهم المعذَّب دون أن تظهر لهم الأفق نجمة أو بشارة’ ( ص186). ولا يخلو وصفه لملامح الذّوات وهيئاتها المتوتّرة، هنا، من مقصد بليغ يقرأ التحوّلات كما ارتسمت، قويّةً وحارّةً، على الأصوات العيون والشفاه والأيدي والمشيات والقامات والأمزجة والأرواح، يتبيّنها وجهاً لوجه أو على أسلاك الهاتف أو من مرأى بعيد، وهو ما يصلح ليكون ( بورتريهات) حميمة وطريفة ونادرة في آن. يصف صوت السياب بأنّه ‘ المثخن بعذاب الواقع ودويّ التاريخ’، ويقول عن بلند الحيدري: ‘ كان صوته مثخناً بعذابٍ قديم’، وعن يوسف الصائغ: ‘ صوته المليء بالشروخ’، ولا يُخطىء ما ‘ في صوته من ثراء إنشادي ابتهالي’، وعن مظفر النواب: ‘ لم يكن صوت مظفر أقلّ تأثيراً غير أنّ الخدوش والتغضُّنات كانت باديةً عليه’، وعن فوزي كريم: ‘ صوتٌ مفعم بالعذوبة’، ثُمّ صار ‘ صوته يفوح من جدران القاعة محملاً بوعود الستينيات وأمطارها البعيدة’، فيما أحسّ في نبرة عبد العزيز المقالح ‘ تموُّجاً حميماً’ وزاد: ‘ لا تراه في أحاديثه إلا هامساً حتّى لو كان ينادي كوكباً نائياً أو غزالة ضائعة’. وأعجبه في جبرا إبراهيم جبرا ‘ عينان متأمّلتان وملامح شديدة الرهافة، وغليون لا يفارق يده أو شفتيه’، وشبّه عبدالوهاب البياتي بأنّه ‘ كان مثل شجرة برّية: شائكاً، ومهيباً، وقادراً على الإيذاء’، ورأى في سعدي يوسف أنّه ذو ‘ وجه مكدود ترابيّ متغضِّن.. وعينان متعبتان، وشفتان مزمومتان على الدوام’، وفي مؤنس الرزاز ‘ قامة فارعة تملأ العين، وجسد كجسد الرياضيين يطفح وسامة وعافية وشباباً’، وكانت تأسره في محمد شكري ‘ رقّة لا تخلو من عنف، وقسوة بيضاء كالطفولة، وكأنّه الأضداد مجتمعة في حوار عجيب’ ( ص190). في مقالات الكتاب العشرين ونيّف، نجد بالفعل احتفاءً بالصداقة وقيمها الإنسانية الرفيعة بشكل يتداخل فيه الذّاتي والموضوعي بصدقٍ ودون حرج، وهو يُلقي بضوئه الحنيّ الرقراق على شاعرٍ هنا وكاتبٍ هناك، بما يكشف عن خصوصيّة كلٍّ منهما في الكتابة ومعاناة الحياة على حوافّ العمر المثخنة بخيبة الأمل والشعور بالانحدار المرتطم بشجون الذات ووعي التاريخ. وكثيراً من المرّات، يتّخذ الحديث عن هذا أو ذاك صفة الذّريعة لكشف المزاج الخاص أو الاتجاه الشعري أو الموقف الفكري والأيديولوجي الذي يُنْتسب إليه، وبالتالي، نجد أنفسنا أمام (ريبرتوار) غنيّ بالمعرفة ونقد الظواهر النصّية، في حديثه عن الرؤيا وعلاقتها بالأسطورة في شعر السياب ( ص19- 20)، وعن مشروع نازك الملائكة الشعري والنقدي الذي كان يقف عند منتصف الطريق دائماً ( ص26- 27)، عن النزعة الدرامية لدى بلند الحيدري ( ص60)، وشهوة السرد لدى يوسف الخال ( ص68)، والصورة الشعرية الغريبة والتشبيهات المتشابكة لدى محمد الماغوط ( ص92 – 93)، وشعريّة المنفى لدى سعدي يوسف ( ص103- 104)، والغنائية في شعر محمود درويش ( ص113)، وتعايش المثقف والسلطة في شخصية عبد العزيز المقالح ( ص155- 156)، والموقف النقدي من الحداثة الشعرية وموضاتها لدى فوزي كريم ( ص166- 167)، والسخرية في روايات مؤنس الرزاز ( ص196- 197). في سياق تلك التحليلات والآراء الخاطفة والكاشفة بلغةٍ تسترسل في البوح وتبتهج بالمعرفة، لم يكن العلاق يخفي شعوره بالإعجاب والاعتراف بفضْلٍ لهؤلاء وأولئك من أصدقائه الشعراء والكتّاب المنذورين لعراء الكتابة ومنفى اللغة، ولا يجامل، ويدلي بعبارة أو رأي لا يخلو من صرامة الناقد وقسوته، وأحياناً يمسح الأذى ويرفع كلفة الحرج. من هذا الفيض الإنساني السمح مثلاً، يُعجب العلاق بالطريقة الفذّة التي كان يُنْشد بها مهدي الجواهري شعره، وبمحسن إطيمش في دراسته البارعة للإيقاع وعلاقته بالشحنة النفسية للنص الشعري، وتتملّكه الدهشة عندما كان يتأمّل برنامج أدونيس الشعري والثقافي، ويعترف بالحيف النقدي الذي ألحق الأذى بمنجز بلند الحيدري الشعري، وبأنّ هناك غُبْناً كبيراً تعرّض له شعر صلاح نيازي، وبمثل ذلك عانى نزار قباني من إهمالٍ نقديٍّ كبير. كما يشير إلى أنّ السياب في سنواته الأخيرة كانت حياته، وليس شعره فقط، تجسيداً للانحدار إلى الهاوية، كما يُشير إلى أنّ البياتي، رغم طبعه الحادّ ولسانه الجارح، كان ‘ شاعراً يصعب تكراره في شعرنا العربيّ: أعني نبرته المميزة، ولغته الخاصّة، ورؤاه المفعمة بالأمل والعذاب’ ( ص50). كما نجد نقداً ضمنيّاً لاذعاً، في خضمّ المعترك الذي اجتازه الجميع، لأولئك من أدعياء الحداثة الذين ملأوا المشهد وصدعوا بالموضة والإرهاب اللفظي وانتفاخات الذات التي لا حدود لها.
كان علي جعفر العلاق، بذاكرةٍ نشطة ومشتعلة، يتذكّر الجميع بحبٍّ، ولا يتّهم أحداً، ويترك كلامه، مسترسلاً بتلقائية وحذراً في آن، يعبر عشرات عناوين الأعمال الشعرية والسردية والنقدية التي رجع إليها، وعشرات أسماء الأعلام من شعراء وكتّاب وأساتذة جامعيّين كان صادقهم والتقى بهم في الأمسيات الشعرية والجلسات الحميمة ببيت أو مطعم أو مقهى، أو داخل أجواء المحاضرات، ومكاتب العمل، والمطارات، وردهات الفنادق، والمنافي، في أكثر من عاصمة ومدينة عربية أو أوروبية ( بغداد، صنعاء، عَمّان، طنجة، لندن، بيروت، دمشق وسواها). بموازاةٍ مع ذلك، كان يسرد ذاته منذ أن كان طالباً نبيهاً يكتب الشعر الشعبي، ويلقى الاحترام من أساتذته في الجامعة، ويفرح بأوّل قصائده ومقالاته تنشر في مجلتي ‘ العاملون في النفط’ و’ الأديب’، ثمّ وهو طالب باحث في جامعة إكسترا البريطانية يحضّر أطروحته حول ‘ المشكلات الفنّية في شعر البياتي’ تحت إشراف المستشرق الاسكتلندي جاك سمارت، ويعود إلى بغداد ليعمل محاضراً في جامعتي بغداد والمستنصرية بين أعوام 1985- 1990م، ويترأس تحرير مجلة ‘ الأقلام’ الأدبية المؤثّرة وذائعة الصيت من 1984 وحتّى 1990م، ثمّ يجد نفسه في معترك الطوفان السياسي والثقافي الذي كان يجتازه العراق. وبعد الحرب على بلده في عام 1991م، وعدوى الديكتاتورية التي أصابت الجميع بالتلف والعماء، يغادر العلاق إلى اليمن للتدريس في جامعة صنعاء حتى عام 1997م، ثمّ في جامعة الإمارات أستاذاً محاضراً للأدب الحديث والنقد منذ ذلك الوقت إلى الآن. في خضمٍّ متلاطم كهذا، كان العلاق يحرص على تجنب الطرق العامة والابتعاد عن أصوات الآخرين أو تقليد تجاربهم، مسكوناً بهاجس كتابة قصيدته الخاصّة التي لا يشاركه فيها أحد، واستثمارها لغة وبنية وإيقاعاً، في مشهدٍ بدا كاسحاً يموج بالأصوات المتشابهة، والنصوص التي لا تصدر عن حيرة الروح وتصدّعاتها وتشهيّاتها.
هو، إذن، كتابٌ بوليفونيٌّ، متعدّد الأصوات والأهواء والأمزجة والأساليب: أوتوبيوغرافي، شعري، نقدي وإنساني. تتداخل فيه ضروب الشجن، والسحر، والتأمل، والمعرفة، والاعترافات الحميمة التي لا تخلو من صدق ومزاج بالغي التأثير. ينقل أجواء الطوفان السياسي والثقافي الهائج، ويفسح لمختلف أشكال الشعر العمودي والتفعيلي والنثري، الفصيح والشعبي، أن تعبّر عن نفسها وعصرها بدرجات متفاوتة القيمة. وهو، أيضاً، كتابٌ توثيقيٌّ مثقل بجمله الشعرية والإيحائيّة المثقّفة التي تتفتّق في كلِّ زاويةٍ عِلْماً وحِلْماً، وتفجؤنا ببالغ إنسانيّتها الهشّة والحييّة، فيما هي تتحدّث بأمانة عن عصر غشته سحب الحزن والعماء والادّعاء ورائحة الموت. شاعر وناقد من المغرب[email protected]هامش: ـ علي جعفر العلاق، ‘ قبيلة من الأنهار: الذات، الآخر، النصّ’، دار الشروق، الأردن، ط1، 2008م.