موسيقى جنائزية للوداع على قنوات ابي لهب ومذيعو المصرية يستحقون بعض الثروات المنهوبة

حجم الخط
0

احمد عمرمسودة خطبة الوداع الفرعونية بعد أن استوت سفينة الثورة على جودي النصر سأبوح بالخطاب الذي كنت انوي إعداده للرئيس، حتى يستمر في حياة كريمة وربما في ‘العرش’. وعدت القراء به في المقال السابق، وهذه مسودته: يلبس الريس جلابية مصر، ويغسل شعره من الصباغ الأسود، فيظهر عليه الوقار والبساطة والطيبة، ويتعطر باسم الله الرحمن الرحيم، ويبدأ خطابه بآية قرآنية، والأفضل آية: ‘قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ’. ثم يتجه إليهم بخطاب باللهجة المصرية، شفهيا، ويثني الآية بالحديث النبوي عن قصة الرجل الذي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَجَعَلَ يَسْأَلُ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَأَتَى رَاهِبًا، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ، فَقَتَلَ الرَّاهِبَ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ…. فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَأَى بِصَدْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ، فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا’ ثم يبكي في الخطاب ويطلب من شعب مصر أن يمنحه لجوء سياسيا إلى مصر، وأن يسمح له بأن يعيش في ‘المصيلحة’ مواطنا مصريا، وان يموت على ترابها، وسيعمل إن بقي في ‘خدمة الشعب’ على أن يبدع لهم دستورا أفضل من دستور السويد… ولا بأس أن يذكر عبارات جمال عبد الناصر بعينها في خطاب التنحي. كاتب هذه السطور في خدمة كل المعرضين للخلع والتنحي. الايميل في الأسفل. خدمتكم تسرنا.

الرئيس المخلووووع ع ع:

اتصلت الجزيرة بمصطفى الفقي بعد خطاب التنحي وطلبت رأيه في خطاب الرئيس ‘المخلوع ع ع ‘ فلم يعترض على الوصف، وكان سيفعل، ويعترض بشدة، كالعادة، لو لم يخلع بعد. وهو بارع في الإمساك بالعصا من الوسط، وزعم أن مبارك كان بطل الفرص الضائعة. كانت قناة الجزيرة تبحث عن الإبرة في المكان الذي ضاعت فيه، في بئر الحرمان، وفي كهف القهر، وفي جبّ الإرهاب الحكومي، وتحاول أن تضيئه بالرأي والرأي الآخر، مستعينة بنخبة الفكر العربي والإسلامي، بدءا من عزمي بشارة الذي كان يدير المعركة من الاستوديو، وعندما ينتهي من رأيه السديد، يزم شفتيه خجلا من التخمة المعرفية، ويدير وجهه جانبيا إلى.. جبين المستقبل.

لم تألُ قنوات أبي لهب جهدا في نثر الأشواك تحت أقدام الثوار، ووضع العصي في العجلات، أما العربية، فبدأت الموسيقى الوداعية الجنائزية حزنا على ‘المخلوع’ وكانت تحاول جهدها في تضليل المشاهدين ومساعدة الطاغية على الاستمرار.. وصفت العربية الرئيس ‘بالسابق’ ووصفت خطابه بالمؤثر، وحاولت جاهدة تخصيص الثورة، كما خصص المخلوع مصر. العربية تطلب من الثورة أن تتنحى:

استضافت العربية وائل غنيم، الشاب الذي وصف بأنه ‘إيقونة الثورة’، وهذا لقب كبير، والأولى هو الشهيد خالد سعيد، وحاول الميرازي أن يخلع عليه اسم قائد الثورة في يوم جمعة التحدي، وأن يسحب منه اعترافا ‘بالتنحي’ إلى العودة إلى المنازل، فخفت كثيرا وبلغت القلوب الحناجر. اتصلت العربية أيضا بالشاب نور زكريا وعندما قال (مع السلامة يا ريس!.. أنت عملت اللي عليك..) كبست المذيعة على الفرامل وحولت مقود الحديث إلى صفحة النيل الهادئ! العربية نقلت خطاب حسن نصرالله الذي برأ ذمة إيران من الثورة المصرية، فيما تجاهلته الجزيرة ورابطت في ميدان التحرير باحثة عن إبرة الثورة!

لم أكن اعلم أن كلمة ‘التنحي’ قبيحة إلى هذه الدرجة، وقد تجنبتُ في هذه اللحظات الحرجة من تاريخ امتنا أن اطلب من أي راكب اوتوبيس أن ‘يتنحى’ لي للنزول من فوق هذا الفرس خوفا من ان يقول لي: قد أقسمت على البقاء في مكاني حتى نهاية خط الأوتوبيس. الصواب هو انه ‘تخلى’. وقد صدحت أغنية صباح فخري عقب خطاب ‘الخلع’ في زنزانتي وبدأت ارقص على أنغامها: لما بدا يتنحى.. امان امان امان.. فركضت ابنتي إلى أمها وهي تشير إلى رأسها وتقول: بابا.. ‘تخلى’! تذكرت قناة العربية حوارا أجرته مع الرئيس ‘المفدى’ حسني مبارك، يحاوره فيه الإعلامي الذي لا يشق له غبار ولا يصطلى به بنار السيد سعد السيلاوي (!!)، السؤال الذي طرحه على الرئيس كان متقطعا وعلى شوطين ومليئا بالأخطاء الصوتية واللغوية، حول حكم مصر، بعد أن سأله جلس السائل (المتسول) يبتسم لحكم الرئيس الخالدة التي تقطر عسلا وتقول، ان حكم مصر ليس سهلا، والبقاء في الحكم ليس سهلا، والخروج ليس سهلا.. ليس أسهل من إطلاق البلطجية للتحرش بالثورة. كلمة حق عند فرعون جائر:

ان للثورة المصرية فضائل كثيرة، إحدى أهم فضائلها أنها كشفت علماء السلطان وعلماء الإيمان، وفرقت بين نجوم السلطان ونجوم الشعب. يستحق مذيعو المصرية جزءا من ثروات مصر المنهوبة المودعة في بنوك خاصة، على تضليل الرأي العام، والضحك على آباء الشهداء بالتعازي والاتصال بمحبي المخلوع. إيهاب توفيق وتامر حسني زعما أن هذا ليس شعب مصر، فهم لا يعرفون من الشعب إلا من يصفق لهم ويرقص على أغانيهم. أنزلت الثورة نجوم الشاشات على الأرض، وجعلت ارض ميدان التحرير سماء. فكل أغاني نجوم السلطان وافلامهم لا تساوي قطرة دم واحدة من دماء سالي زهران، وكل نكاتهم وإبداعاتهم وتهريجاتهم لا تعادل كلمة حق عند فرعون جائر. بدأ الرئيس الخطاب الثالث على حال مختلفة، غير حال الخطاب الأول، فالكاميرا بدأت بتصويره قبل أن يستعد، وكان ذلك يعني أن أحصنة عربة السلطة بدأت تفلت من السيور. بدا ناعما يحفظ سطور الخطاب الأول عن ظهر قلب، أو ربما كتبت على شاشة كبيرة، ثم بدأ يهدد، ويعِد ويتوعد. في الدقيقة الثانية عشرة من الخطاب الماراثوني شعرت بالنعاس، وكان واضحا انه يسأل عن (عيل تايه). أشتهي أن أجد زعيما سنسكريتيا يجيد الحديث مع شعبه، إن لم يكن بلغة فصيحة بليغة، موجزة، فبلغة بسيطة يفهمها الناس. أمين اسكندر، لا فض فوه، وصف الخطاب الأول باللغو.

زاهي حواس، وزير الآثار… الانكليزية!

اتصلت مواطنة مصرية على الجزيرة وقالت ان الخطاب مفبرك من خطابين، وكلا الخطابين لا ينقعان في الماء. ومدّ الرئيس يده إلى صدره مرتين، حتى يهرش محل مخالب الثورة، وكان ذلك علامة أخرى على أن عربة السلطة تتأرجح على ظهور الشهداء وعظامهم، وان بدا الريس أكثر شبابا وشعره أكثر انتصابا، فهذا لم يكن يعني أن الثمانين لا تسأم أباها. لا صوت يعلو على صوت الشعب. خفت من اللواء المتقاعد (عادل سليمان) الذي كان يصب الماء في الاتجاه المعاكس كابحا ناعورة الثورة، وراح ينتظر ‘فهم’ الخطاب الثالث من قبل الشعب، بينما كنا ننتظر أن ‘يفهم’ الريس. وزير الآثار، زاهي حواس ظهر في يوم الجمعة، الذي من المفترض أن يكون وريثا وفيا لهذه الحضارة التي يمثل آثارها، لكني لم أره في فضائيات مصر والعالم إلا وهو يضع قبعة الخواجات ويتحدث باللاتينية! دخلت معه كاميرا الجزيرة إلى المتحف فأشار إلى احد مهندسي الترميم وربت على كتفه دلالة على المودة أو بالأحرى دلالة على الاستعلاء والسيطرة. انتبه متحدث إلى الجزيرة مباشر إلى أنّ خطاب الريس انتبه إلى الشهداء في الخطاب الثالث. فكيف لم ينتبه الريس إلى دم 400 شهيد، استشهدوا على يديه، انه يستحق لقب أبو الشهداء، لكنه نسي أن يعلن حدادا شبيها بالذي أعلن في الفضائيات المصرية على حفيده، لكن يبدو ان هؤلاء الشهداء.. أجانب!

شبح بن علي هو الذي اجّل.. الفهم:

لم تلتفت قناة فضائية إلى جامع القائد إبراهيم، وكان واجبا أن تقدم احداها تقريرا عن هذا الجامع وسبب تسميته ومساحته، لكنّ ثورة مصر نقلت خطبة القرضاوي من فضائية قطر إلى فضائية الجزيرة مباشر، واممت خطبته، كما سبق أن أممت الجزيرة بثها على عشر فضائيات، وهذا ما يثير حفيظة العلمانيين الذين لا يزالون يفضلون دكتاتورية المخلوع وحداثة إسرائيل على خطبة القرضاوي.

خطبة القرضاوي جمعت المعرفة إلى الوعظ، والدعاء إلى الحث، والتحريض على الخير، والأمر بالمعروف إلى النهي عن الطغيان، وقد ظننت انه أسرف في التفاؤل عندما اقسم انه واثق من النصر. رفض الريس الذي كان شبح زين العابدين بن علي يطارده، الوداع والتنحي والتخلي، ورحل وهو يعد الناس بأنه سيعيش إلى الأبد، رفض الرجل الخضوع للاملاءات الأجنبية، أي املاءات شعب مصر.

أعلى قمة في العالم.

ميدان الثورة أعاد التوازن الاستراتيجي إلى نفوس شعوب بلاد ما بين النارين، ضافره خبر في شريط الأخبار يبشرنا بارتفاع مؤشر بورصة نيويورك. بورصة الأمل ارتفعت. نحن أغنياء.

أيها السادة، اسم الميدان لا يحتاج إلى تغيير. اسمه طابق عليه، الخالق الناطق، لكن تعبير الشهداء الذين ‘سقطوا’ لا يعجبني، وأفضل استبداله بتعبير الشهداء الذين ارتقوا أو ارتفعوا.. أو: سقطوا.. إلى الأعلى. احد اغرب الشعارات التي رأيتها في الميدان لافتة يحملها صبي كتب عليها ‘أتى أمر الله فلا تستعجلوه’ عندما قلبها، كانت الآية مكتوبة على ظهرها أيضا!! ‘فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ…. وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ’. هذه أول فرحة شاملة وكاملة.. لقد بدأ البوعزيزي لعبة الدومينو.. كاتب هذه السطور يرجو الثورة ضارعا: من فضلك اوتوغراف أيتها الثورة. وهو لا يستحقه إلا اذا قصد ‘أعلى قمة في العالم ‘ من أدنى الأرض، مشيا على الأقدام.. الحافية. كاتب من كوكب الأرض [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية