كمال خلفليس ثمة من اسماء كثيرة لامعة في القوى والاحزاب المصرية والشخصيات المستقلة، لنحدد من سيكون الرئيس المقبل لمصر، لا يتم التداول في هذا الان، الكل في القاهرة والعالم العربي مشغول بفك طلاسم الصورة الضبابية التي ظهرت مباشرة بعد الاحتفال بانتصار الثورة، الذي كان له وقع مميز عند المصريين والعرب والمسلمين، لان الثورة اخذت، خاصة في الايام الاخيرة، شكل صراع ارادات بين الشعب الواقف في الميادين، ولاسيما ميدان التحرير رمز الثورة، وبين رئيس اظهر كل انواع العناد والتجاهل والتشبث بالسلطة. المصريون كانوا امام سؤال واحد في اليوم الثاني مباشرة، وهو ماذا بعد؟… الحديث تركز على المرحلة الانتقالية ومن سيقود تلك المرحلة، وما هي ضمانات تحقيق كافة مطالب الشعب التي من اجلها اندلعت الثورة.
لكن تداول اسم الرئيس المقبل او المرشحين المقبلين لخلافة مبارك ظلت حديثا ثانويا، وان تمت الاشارة الى ذلك قبل خلع مبارك واثناء تصاعد وتيرة الاحتجاج، فاسم محمد البرادعي المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ربما كان من ابرز تلك الاسماء.
السيد البرادعي سارع لنفي انباء عن عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية، كانت قد نقلت على لسانه، ما يعني ان الرجل لديه نية حقيقية لخوض معركة خلافة مبارك. الامين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى اعلن ان ولايته لامانة الجامعة العربية سوف تنتهي، وزار ميدان التحرير. عمرو موسى ربما سيعتمد على ما يقال بان له شعبية في اوساط الجماهير المصرية، وعلى خبرة طويلة في حمل حقيبة الخارجية المصرية، لكن الرجل كان يمثل لفترة طويلة نظام الثلاثين المنهار. وربما لا تبدو شعبيته في الاوساط المصرية الا من خلال اغنية المطرب الشعبي (شعبولا) … انا اكره اسرائيل وبحب عمرو موسى سيكون…. في مقابل البرادعي الذي استقبلته حركة شباب 6 ابريل في المطار، عندما عاد الى القاهرة بعد نهاية ولايته، وشكل الجبهة الوطنية للتغيير، التي ضمت ممثلين عن احزاب المعارضة التي كان لها حضورها في ثورة 25 يناير، لكن حتى هذا الاخير يؤخذ عليه انه عاش فترة طويلة بعيدا عن الشعب المصري ولا يرتكز الى حزب سياسي او قاعدة جماهيرية واضحة. من الاسماء المتداولة ايضا اسم العالم المصري احمد زويل.. ومؤسس حزب الغد ايمن نور الذي ترشح امام مبارك في الانتخابات الرئاسية 2005. الثورات عادة تفرز قيادات جديدة تتحمل المسؤولية وتقود عملية التغيير الديمقراطي، كما حدث في الثورة الايرانية، على سبيل المثال لا الحصر.. ولكن في الحالة المصرية وايضا الحالة التونسية لم نر قيادات تفرزها الثورة لتقود العملية… في مصر العسكر الممثل بالمجلس الاعلى للقوات المسلحة، الذي اعتمد على حكومة شكلها مبارك تمثلت باحمد شفيق ووزرائه.
وفي تونس.. رجال تكنوقراط كان لهم دور في العهد السابق والان يقودون المرحلة الانتقالية. مثل رئيس الوزراء محمد الغنوشي ورئيس البرلمان فؤاد المبزع وغيرهما، وفي الحالتين كانت المعارضة التقليدية لا تلعب الدور الرئيس في الثورة او المحرك الاساس لها، بل كانت فئة الشباب غير المتحزب، والخروج العفوي للناس هما الاساس في حركة الشارع، وبالتالي تشكيل الثورة.
الجيش المصري الان يعيش نشوة نتيجة تجاوب الثورة معه منذ اليوم الاول وبقيت المؤسسة العسكرية المصرية بعيدة عن الانتقاد او الاتهام، البعض قال انها اختطفت اللحظة التاريخية، وقيل ايضا ان الجيش هو من هدد مبارك ودفعه للرحيل، ولكن بكل الاحوال المشاهد بالعين المجردة هو ان الجيش ابدى تفاعلا ايجابيا غير مستفزا مع المتظاهرين، كل ذلك ربما يجعل للجيش دورا اكبر في الحياة السياسية، كونه سيكون المشرف الحالي على عملية الانتقال السلمي للسلطة، وما يتضمن ذلك من تعديل دستوري واجراء انتخابات واصدار مراسيم خلال الستة اشهر المقبلة، حسب البيان الاخير الصادر عنه.. ولكن هل يتحول الجيش المصري او المؤسسة العسكرية المصرية الى حالة شبيهة بالمؤسسة العسكرية التركية، قبل الحد من سلطتها مؤخرا على يد حزب العدالة والتنمية.. ربما يكون ذلك واردا استنادا الى الرصيد الكبير للجيش بين المصريين حاليا، وصورة الجيش الان على انه المشرف على تلبية مطالب الثورة، واهم من هذا وذاك ان المؤسسة العسكرية المصرية سوف تبتعد لاول مرة منذ ثورة يوليو 1952 عن رئاسة الدولة، وربما هذا سيجعل تلك المؤسسة تحاول ان تحكم من وراء الستار هذه المرة، او على الاقل سوف يحسب لها السياسيون القادمون لحكم الدولة عبر صناديق الاقتراع الف حساب.
حسب المؤشرات الحالية فان نظام الحكم القادم في مصر سوف يكون رئاسيا برلمانيا، اي ان تسحب صلاحيات الرئيس الواسعة وتعطى لرئيس الحكومة التي ستنبثق عن برلمان منتخب، في هذه الحالة سيكون هناك صراع دائم على السلطة بين الاحزاب والقوى السياسية، واذا كان ذلك ضمن اطار اللعبة الديمقراطية سوف تشكل مصر بذلك نظاما نموذجيا في المنطقة، اذا ما حدث ذلك لن تراهن الولايات المتحدة واسرائيل على نظام يقوم بدور وظيفي ويحقق كل ما تريده من سياسات، كما كان يفعل حسني مبارك، ونضرب مثالا على ذلك ما حدث ابان غزو الولايات المتحدة للعراق، عندما رفض البرلمان التركي دخول القوات الامريكية عبر الاراضي التركية الى شمال العراق رغم التحالف الوثيق بين انقرة وواشنطن.
كل ما ذكرناه هو محاولة استشرافية لمستقبل الثورة.. ولكن الشهور المقبلة سوف تجيب على كل التساؤلات التي تدور الان في اروقة النخب السياسية والثقافية وايضا في اذهان المصريين اصحاب الثورة.’ كاتب فلسطيني