ريما كمال محروس هو اسم حارس العمارة التي أسكن فيها في مدينة عمان، والتي تضم أكثر من خمسين ألف عامل مصري يحرسون عماراتها الحديثة، من أصل ما يزيد على ربع مليون عامل مصري، يعمل معظمهم في المجالات التي يحجم الأردنيون عن العمل بها، وأهمها أعمال النظافة والبناء.
محروس قدم إلى عمّان قبل خمسة أعوام، عمره ثلاثون عاما، أي هو من مواليد عهد مبارك، معه دبلوم تجارة، هو من الشرقية محافظة عبد الحليم حافظ كما قال لي، وبالذات من مركز فاقوس قرب مدينة الزقازيق. متزوج من مشيرة، وله ابن اسمه يحيى، والدته تعاني من مرض في الكبد، ووالده على مشارف فقدان بصره.
عمل محروس لمدة عامين في مصنع للملابس في مدينة الزرقاء بالأردن، ولم يتلق راتبه في الستة أشهر الأخيرة من صاحب المصنع، ولم تفلح كل مطالبه مع عدد من زملائه المصريين باستعادة رواتبهم، ثم دبّر له أحد أقربائه هذه الفرصة لحراسة العمارة وتنظيفها، مع الإقامة في غرفة الحارس بتسوية العمارة ذات النافذة التي لا تتعدى حجم اليد. ربّما لا يعلم الجميع أنه ليس لهؤلاء الحراس ساعات عمل محددة، فبإمكان أصحاب الشقق في أي وقت بالنهار أو الليل، استدعاءهم لتلبية متطلباتهم خارج العمارة لحاجيات البقالة وتنظيف وكي الملابس، أو تنظيف وصيانة العمارة وسطحها والكراجات وحدائق الشقق الأرضية، ومتابعة تعبئة وقود التدفئة ومضخات المياه، وتركيب اسطوانات الغاز، وإزالة الثلوج عن الستالايت، والتنظيف الموسمي للسجاد، والشهري للزجاج الخارجي، والمساهمة في نقل أثاث البيت للساكن الجديد، وإعادة ترتيبه للساكن المقيم، ناهيك عن نقل حقائب السفر. ومع مرور الوقت يكتسب هؤلاء الحراس خبرة لا يستهان بها في السباكة والنجارة والدهان والتبليط. وينطبق هذا الوضع على محروس، الذي كانت دهشته كبيرة، عندما كلمته بعد شهرين من تعيينه، لأطالبه بأن يهتم بحقوقه بقدر ما يهتم بواجباته. قلت له إنه من مصر، بلد عبد الناصر، وبلد الأدباء والعلماء والفنانين. وأنه إذا كان الزمن قد أجبره على الغربة عن بلده، والعمل في ظروف صعبة، فإن عليه أن لا يسمح لأي إنسان بأن يقلّل من قيمه جهده، وأن يصون ذاته وكرامته، وأن يذكر دائما مقولة عبد الناصر الشهيرة: ‘إرفع رأسك يا أخي’. شعرت وقتها بأنه لم يستوعب ما قلته، ولهذا حرصت مع مرور الأشهر التالية أن أحدّثه كيف أن عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من العرب، وأنا واحدة منهم، قد تعلّموا في جامعات مصر مجّانا في خمسينات وستينات القرن الماضي، وأن ثروة هؤلاء ما كانت لتتمّ لولا أن احتضنتهم مصر، وطنهم الثاني، ومنحتهم العلم والأمل. حدّثته عن الإسكندرية التي لم يرها في حياته، والتي نلت من جامعتها درجة الماجستير، عن شاطئها الساحر ومسرح سيد درويش، أسمعته قصائد أحمد فؤاد نجم بصوت الشيخ إمام، التي لم يسمع بها يوما، وقصصت عليه كيف كنا نتحلّق في الطريق ونحن أطفال إذا ما زار مدينتنا (نابلس) أي مصري، وعن عام 1957 عندما زارنا كمال الدين حسين وزير التعليم المصري، فازدانت المدينة لتكون لائقة بضيفها من مصر، واصطف جميع طلاب المدارس ووقف أهل المدينة في ملعب البلدية للترحيب به. وكيف كنا إذا ما عاد أي فلسطيني من الجامعة مع عروس مصرية، نتسابق بالاحتفاء بها ودعوتها لزيارة بيوتنا حبّا ومودّة. وتطور الحديث لأقول له ان الايام دول، وأن مصر التي انكسرت عام 1967، وهزمتنا عام 1978، لا بدّ أن تعود إلى عافيتها، وتعود بها ومعها الأمة العربية. ومع الوقت أصبح محروس يعتبرني والدته في غربته، يحضر ليشكو همومه ويصوّر أحلامه وآماله المنحصرة في علاج والديه، وتعمير بيت صغير، وإقامة مشروع صغير يدرّ عليه الرزق. وتعرّفت من خلاله على حقيقة مجتمع الحراس في الحي الواحد، مجتمع متلاحم متراحم بشكل يصعب وصفه. فهم يجتمعون يوميا فترة الظهر لتناول الوجبة الرئيسة الوحيدة، التي يتناوبون في إعدادها. وإذا مرض أحدهم، يسارع الآخرون لعلاجه والقيام بمهامه، وإذا توفي أحد أفراد عائلتهم في مصر أقاموا له بيت العزاء في غرف التسوية. بالعودة إلى محروس، فقد تمكن من وصل حاسوبي القديم مع شبكة الشقة الأرضية في العمارة، التي تسكنها عائلة عراقية، وأصبح يشاهد من غرفته عائلته يوميا مطمئنّا ومطمئنا.. ولكن الأهم أن محروس أصبح يشاهد (اليوتيوب)، ويرسل لي رسائل لأشاهد جديد أحمد فؤاد نجم، وحمدي قنديل، وعلاء الأسواني. فمحروس قد أصبح يتابع الأخبار السياسية لمصر بحماسة واستيعاب. الرائع أن محروس ذهب إلى مصر بداية شهر كانون الثاني/يناير ليقضي إجازته لمدة ثلاثة شهور، وليبدأ بتعمير بيت له فوق بيت والده، بحيث يشرف على متابعة البناء أخوه الذي ينتظر دوره لاحقا في الهجرة للعمل. ولهذا، وعند بداية الثورة كنت واثقة بأن محروس سيكون مع الجموع المتجهة في مدينة الزقازيق تجاه محافظة الشرقية، والآن، وفي مساء الحادي عشر من شباط/فبراير، ومع قطف ثمار الثورة، أجدني أسارع بالقول: مبروك لا مبارك يا محروس. ‘ كاتبة من الاردن