يحيى بن الوليد لا أخفي أنني سعدت كثيرا لتعليق أحد القراء، ومن العارفين والمتتبعين، على أني ‘روّجت كثيرا للمثقف التنويري’، بل ‘وبالغت في مدحه والإعلاء به’، ولذلك ‘ما قولك بعد أن قبل أن ينضوي إلى معسكر الطاغوت الذي أجلسه في مقعد الوزارة؟’. والظاهر أن تعليقات القرّاء لا تخلو دائما من أهمية، وخصوصا إذا كانت من الصنف الذي ينأى عن ‘العداء الفولاذي’ والذي يحفـّز – وإيجابا – على ‘الرد كتابة’ كما هو شأن التعليق المقتضب والسالف الذي ورد في سياق لا صلة له، وسواء على مستوى التضمن أو اللزوم، بالناقد المحدث والمثقف التنويري المصري جابر عصفور الذي هو موضوع التعليق. وقد جاء التعليق على هامش مقالنا (الأخير) في جريدة ‘القدس العربي’ (11/02/2011) الذي سعيت فيه إلى تتبع ‘استعمال الفضاء العام’ من قبل المثقف بالمغرب، وكل ذلك في سياق أوسع هو سياق ما أسميته، ومن خلال مقالات سابقة، وأخرى ستكون لاحقة، بـ’أمراض الحالة المغربية’. والمقالات منشورة، وعلاوة على جريدة ‘القدس العربي’، في مواقع ثقافية إلكترونية.ولا أخفي، ثانية، وقبل أن أعرض لموقفي الرافض لـ’التوزير’ السابق، وهو ما قد لا يخفى على ناقدي أيضا، أو بالأحرى ‘لائمي’، أنني نشرت أكثر من مقال ‘صحفي’ عن صاحب ‘هوامش على دفتر التنوير’. فقد تحدثت عن ‘تجربتي النقدية’ معه مرة. وحيّيته، وعبر مقال، نشر في جريدة القدس ذاتها (السبت 21/07/2007)، لحظة وفاة ابنته الدكتورة سهير (تغمدها الله بواسع رحمته). وكما كتبت عن ‘جابر عصفور في عيد ميلاده الستين’. وكتبت مرة، ومن منظور تكثيفي واستقطاري، وفي إطار من السعة، عن مشروعه التنويري. وكما كتبت عن كتابه الدسم ‘المرايا المتجاورة’ وذلك لمناسبة مرور ربع قرن على هذا الكتاب، والمقال مطوّل ومتضمن ضمن مقالات كتابي ‘سلطان التراث’. وكما قارنت بينه وبين صلاح فضل لمناسبة تقديمهما في المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء (الدورة 16/ 2010). وكما أنني حاورت الرجل في مناسبتين، مرة رفقة الأكاديمي المغربي حميد الحمداني، ومرة مع الصحفي والناقد مصطفى النحال. والمقالات مكتوبة بنبرة لا تخلو من ‘إعجاب’ ممزوج بنوع من ‘النقد’ في أحيان وأحيان وكثيرة، هذا بالإضافة إلى أنه بإمكانها أن تؤول إلى كتاب يكون في شكل ‘تحية جابر عصفور’.غير أنه تجدر الإشارة إلى أن مدخلي لـ’المشروع النقدي والفكري’ لجابر عصفور كان ‘مدخلا أكاديميا صرفا’. فقد اهتديت إلى دراسة خطابه النقدي التراثي في إطار من رسالة جامعية (الماجستير) نوقشت العام 1998 بكلية الأدب والعلوم الإنسانية بالرباط وتحت إشراف الدكتور إدريس بلمليح. وهي الرسالة التي ستظهر في كتاب نقدي بالقاهرة كنت قد ناقشت، وبتفصيل، ‘حكايته’ في مقال ‘تجربتي النقدية مع جابر عصفور’ (وهو مثبت في شبكة الاتصال الدولي). وهو الكتاب الذي لم يهدأ لي بال إلا بعد أن وزعته إلى كتابين مستقلين وسواء على صعيد المنهج أو التصور. والكتاب الأول، الموسوم بـ’هدأة العقل النقدي’، ذو منحى نقدي… وسعيت فيه إلى دراسة قراءة جابر عصفور للتراث النقدي والبلاغي عند العرب، وقد صدر العام الماضي (2010) عن دار المنار للنشر والطباعة بليبيا. أما الكتاب الثاني ‘من الضرورة إلى الحرية’ فهو ذو منحى فكري، ويعالج موضوع ‘المثقف التنويري’ الذي استفسرني حوله صاحبي. والكتاب الأخير لم يعرف بعد طريقه إلى النشر، مع أني كنت قد فرغت منه العام 2009. وسبب ذلك أنه في العام نفسه، والعام الذي سبقه (أي 2008)، كان قد أصدر جابر عصفور أربعة كتب تتمحور حول موضوع التنوير أو بالأحرى فهمه للتنوير. وهذه الكتب، هي: ‘مقالات غاضبة’ (2008)، ‘جامعة دينها العلم’ (2008)، و’نقد ثقافة التخلف’ (2008)، و’نحو ثقافة مغايرة’ (2009). وقد قادني غطسي، وبالكامل، في إنجاز دراسة مطولة حول ‘إدوارد سعيد وحال العرب’، وهي الدراسة التي صدرت بالقاهرة، وفي العام الماضي، وفي طبعتين الأولى صدرت عن دار ‘رؤيا’ والثانية عن ‘الهيئة المصرية’، إلى إرجاء إتمام دراسة التنوير إلى فترة لاحقة. والمؤكد أن ‘حدث التوزير’ سيفرض عليّ، ومن بعض الجوانب، أن أعيد النظر في مجموع الكتاب أو على الأدق في ‘الأطروحة’ الناظمة له. ولسنا في حاجة للتأكيد على أن جابر عصفور كان قد استقال من ‘وزارة الثقافة’ قبل تنحي الرئيس حسني مبارك من منصب الرئاسة في ذلك اليوم (الجمعة 11 يناير 2011) الذي سيظل مشهودا في التاريخ المصري المعاصر. ولقد استبق العاصفة أو الغرق وعلى شكالة الفأر الذي يقفز من المركب قبل أن يرتطم بالصخر الذي لا يحدسه، عادة، قائد المركب نفسه. غير أن ذلك لم يجعل جابر عصفور يسلم من المقالات النقدية اللاذعة التي انصرف بعضها إلى شخصه وبعضها الآخر إلى التشكيك في منجزه (التنويري، تعيينا) ككل. ومعنى ذلك أننا لم نعد بإزاء عبارته ‘نص من النصوص المتناصة’ التي كانت تعايره بها الأستاذة صافي ناز كاظم التي لا نملك، بدورنا، إلا أن ندعو الله أن يمتعها بالصحة والعافية. ودون التغافل عن أن هناك من كان يأخذ عليه انخراطه، بل وإسهامه، في ‘الفساد الثقافي’ ــ الذي لا يقل خطورة عن ‘الفساد السياسي’ ــ قبل ‘أن ينضوي إلى معسكر الطاغوت الذي أجلسه في مقعد الوزارة؟’. وبعض هؤلاء لم يكونوا من ‘الهواة’ أو ‘المبتدئين’، وإنما كانوا من ‘المكرسِّين’ في الواقع الثقافي المصري والعربي بصفة عامة. وبعض هؤلاء، وهم من الأصدقاء، صارحوني، وبلطف، بعدم استعدادهم لنشر دراسات (أكاديمية) لنا حول جابر عصفور… وصارحتهم، بدوري، وفي الحين، بأنني أحترم رأيهم وشخصهم في الآن ذاته.وفي ضوء ما سلف: إلى أي حد يمكن التشكيك في المشروع التنويري للرجل؟ بكلام آخر وصريح: هل ينبغي إحراق جابر عصفور؟إن جذر المشكل، في تصورنا، كامن في الدولة التي تفرض ذاتها على المثقف العربي الذي لا يزال يعاني أشكال الانسداد الفكري والسياسي. ثم إن الحرية، وفي إطار من عبارة ‘الانتقال من الضرورة إلى الحرية’ التي لا يخلو منها مقال من مقالات جابر عصفور حول التنوير، لا يمكن فهمها من خارج دائرة الدولة. وفي هذا الصدد يقول المؤرخ المغربي الألمعي عبد الله العروي مفتتحا كتابه ‘مفهوم الحرية’: ‘كل منا يكتشف الدولة قبل أن يكتشف الحرية، أو بعبارة أدق، تجربة الحرية تحمل في طياتها تجربة الدولة، لأن الدولة هي الوجه الموضوعي القائم في حين أن الحرية تطلع إلى شيء غير متحقق’. هذا وإن كان داعية ‘التاريخانية’ يستند، هنا، إلى ‘مرجعية فلسفية’ تبدو عديمة الصلة بـ’المقايسة العربية’ وبـ’الجدلية السياسية العربية الشائهة’ .وتجدر الإشارة إلى أن جابر عصفور يفضل تسمية ‘الدولة’ بدلا من تسمية ‘السلطة’ التي يراها ‘سهلة’، هذا بالإضافة إلى أنها ‘ملتبسة’. وما يؤكد صلته بالدولة قبوله، ومنذ نهاية يناير 1993، العمل أمينا عاما للمجلس الأعلى للثقافة في مصر. والمجلس كيان أنشئ بالقرار الجمهوري رقم 150 لسنة 1980؛ ويهدف إلى إشاعة مناخ الاستنارة، والأهم ‘تخطيط السياسة العامة للثقافة في حدود السياسة العامة للدولة’. وتجدر الإشارة إلى أن المجلس أنشئ من قبـْل وعلى وجه التحديد العام 1956، وكان يدعى ‘المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب’. وللحق فإن جابر عصفور استطاع، وعلى مدار المدة (1993 ــ 2007) التي تحمل خلالها أمانة المجلس الأعلى، الكشف عن عمق أداء ‘المثقف العام’ الذي يعي بخطورة الثقافة على مستوى تحريك الأسئلة الراكدة، وكل ذلك في المنظور الذي قاده إلى وصل المشرق بالمغرب ودون أي نوع من الاحتقار للعالم من حولنا كما تؤكد ذلك مئات الكتب المترجمة في نطاق’المشروع القومي للترجمة’. وكما أنه استطاع الارتقاء بأداء المجلس إلى مستوى ‘الصناعة الثقافية الثقيلة’ كما يقول رفعت السعيد في كتابه ‘الإرهاب إسلام أم تأسلم’ (ص317)، بل وإنه ارتقى بهذه ‘المؤسسة’ من مجلس ثقافي مصري إلى مجلس ثقافي عربي كما قال هاشم صالح في سياق الردود التي أعقبت تولي عصفور منصب الوزير؛ إجمالا لقد شهد له بأدائه (الثقافي) ‘أعداؤه’ أيضا أو البعض منهم.فانتسابه للدولة قائم على مشروع ثقافي محدد، وليس على مشروع ‘دعائي’. وهو يقر بأنه كان يعمل مع الدولة لأنها تحقق المشروع الذي كان يحلم به، إضافة إلى أنه حدث نوع من ‘التقارب’ بينها وبين المثقفين المؤمنين بها كما يقول في حوار معه ( ‘القدس العربي’، 2 يوليو 2003). وفي أكثر من مناسبة كان جابر عصفور قد ذكُّر بأنه ما لم يتحقق نوع من التفاهم بينه وبين هذه الدولة فـ’رزقه على الله’.إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه، وبإلحاح، وحتى قبل ثورة 25 يناير (2011) التي أطاحت بالدكتاتور السابق، والتي بسبب منها اهتدى جابر عصفور للوزارة، هو طبيعة هذه الدولة وما قدمته لـ’الحرية’ في مقابل ما قدمه المثقفون لها في ‘مشروعها’ الذي ينعته جابر عصفور بـ’مشروع توسيع نطاق الدولة المدنية في مواجهة الأصولية الإسلامية’. وفي هذا الصدد لا يخفي أن هذه الدولة لم تحرك ساكنا في حالة نصر حامد أبو زيد، كما لا يخفى بعض قصورها على مستوى دعم الحرية بكل لوازمها المتصلة بالديمقراطية. وكما أن السؤال السابق يقودنا إلى سؤال ثان يفيد أن وصول صاحب ‘ضد التعصب’ إلى أمانة المجلس محكوم بـ’سياسة محددة’ في مقدمها ‘تجنيد’ المثقفين في ‘استراتيجية’ الدولة في حربها المعلنة مع المجموعات الدينية المتطرفة. وهل معنى ذلك أن التنوير العربي يسقط في نوع من ‘التنوير الحكومي’؟ هذا وإن كان جابر عصفور يميز بين ‘الحكومة’ و’الدولة’.وفي سياق غير بعيد عن ذلك يمكن أن نردد مع البعض بأن التنوير العربي يأخذ بـ’الأطراف الممولة’ له سواء في ‘الداخل’ أو في ‘الخارج’ بسبب ما يسمى بـ’عولمة الإرهاب’. ولعل هذا ما دعا البعض، وفي إطار من ‘الدفاع عن فكر التنوير العربي’، إلى التمييز بين ‘التنوير’ و’التزوير’. وعلى مستوى آخر يمكن أن نرد القراءات التي تدافع عن التنوير من خارج دائرة الدولة إلى التصور الذي ينصرف إلى أن هذه الأخيرة هي مصدر تنامي المجموعات الدينية المتطرفة، بل هي مصدر فساد سياسي شامل وأعرض. وفي هذا الصدد يمكن أن نخلص إلى ما تنعته بعض التحليلات السياسية والكتابات الصحفية المصرية بـ’المواجهة الشاملة’، أي المواجهة التي تدرج الدولة ذاتها ضمن استراتيجية المواجهة. غير أن ما تجدر الإشارة إليه، هنا، أن جابر عصفور ليس مشدودا إلى الصحافة في تحليلاتها الظرفية؛ إضافة إلى أن مجال اهتمامه، وإن كان يصرفه، ومنذ مفتتح التسعينيات وحتى الآن، ومن خلال الصحافة المكتوبة ذاتها، غير مشدود إلى طبيعة المواجهات التي ينتفي فيها طابع الفكر والتحليل. أجل إن ‘الدولة الحديثة’ هي قرينة ما ينعته عبد الله العروي، في كتابه ‘مفهوم الدولة’، بـ’العقلانية الاجتماعية’ (ص167)، ثم ‘إن كل دولة لا تملك أدلوجة تضمن مناسبة من ولاء وإجماع مواطنيها لا محالة مهزومة’ (ص148). وخطاب جابر عصفور لا يقاس، في نظرنا، من ناحية ‘الأدلوجة الدولوية’ التي لا تحفز، ومن جوانب عديدة، على ‘انتساب’ المثقف (النقدي) لها. هذا بالإضافة إلى ما ثقفه جابر عصفور عن الكاتب المصري يوسف إدريس من أن ‘كميات الحرية المتاحة في العالم العربي بأكمله لا تكفي كاتبا واحدا’؛ وهي عبارة رددها في أكثر من مقال وحوار ولقاء مفتوح. وعلى مستوى آخر يمكن القول بأن كتابات جابر عصفور تخلو مما يعبر عنه إدوارد سعيد، في كتابه ‘تمثلات المثقف’، بـ’قول الحق في وجه السلطة’. إلا أن ذلك لا يعفي من الالتفات إلى نوع من هذا النقد الذي تفيده إشاراته إلى ‘الدولة التسلطية’ التي على المثقف النقدي أن يتخذ منها موقفا نقديا بالقدر نفسه الذي يتخذه من المجموعات المتطرفة. إجمالا لا يفوت صاحب ‘الاحتفاء بالقيمة’ أن يشدد على نموذج طه حسين الدال على ‘العلاقة المنتجة’ التي تصل ما بين المثقف والدولة. لقد قبل هذا الأخير الاشتغال في مؤسساتها، ودرج في مناصبها من عميد لكلية الآداب ومدير للجامعة إلى أن وصل إلى منصب وزير للمعارف (1950 ــ 1952). وقبل ذلك انتمى إلى أحزاب وانتقل بينها، إلا أن جميع هذه المظلات والأوعية اندثرت وبقي طه حسين…الأديب والناقد والمفكر والمثقف وصاحب العقلانية والديمقراطية والحداثة. والظاهر أن خطاب صاحب ‘أنوار العقل’ كان بدوره يتجاوز الدولة التي عمل في مؤسساتها، وتجاوز ‘الأحزاب اليسارية’ (المفترضة) التي كان بإمكانه تفعيل خطابه من خلال ‘صحافتها’. فخطابه يكمن في التاريخ ذاته. وفي عمق هذا التاريخ تكمن دلالات المثقف التي تتأكد من خلال الالتباس بـ’القاع العربي’ للتنوير بدلا من ‘جذره الغربي’ الذي لا يزال يستهوي البعض، وداخل مصر ذاتها، وبـ’منطق القرن الثامن عشر’ تارة (قرن التنوير) وبـ’منطق ما بعد الحداثة’ الذي يفضي إلى ‘نقد عقل التنوير’ (أو ‘نقد إمبريالية التنوير’) تارة أخرى. ولا نتصور أنه كان يتعذر على جابر عصفور، وهو المطلع على النظريات الغربية، والمتحصن بالتراث في آن، الانخراط في أحد ‘أندية ما بعد الحداثة’ والانسياق بالتالي وراء تقليعاتها. لقد اختار دور’المثقف الملاكم’؛ واختار أن يلقي بخطابه في مرمى ‘النيران’ و’الحرائق’، مما جعله عرضة لحبال ‘الخطاب النقيض’. وتنويره، وإن كان قائما على ‘الاستعادة’، لا يكشف عن أي نوع من ‘النزعة الاستعراضية’ أو ‘النزعة الماضوية’ المفصولة عن مشكلات المجتمع. وكما أنه يستجيب لـ’تاريخية’ القراءة وآفاق ‘تمثلات المثقف’، مثلما هو أبعد عن ‘الشعار’ أو ‘ماكينات الشعار’. إن خطابه سيظل، في تقديرنا، يتيح إمكانية التمييز بين الترويج والإضافة، الإنشاء والتأصيل… التنوير والتزوير الذي سلفت الإشارة إليه قبل قليل.ولا أتصور أن جابر عصفور لم يتأثر لمجموع الكتـّاب والأدباء والفنانين، ومن جميع ألوان الطيف الفكري والسياسي، الذين نزلوا، وطوعا، إلى ‘ميدان التحرير’ لتثمين ‘الثورة’… وإلى ذلك الحد الذي جعل بعض ‘الإخوان المسلمين’ يذكرون نوال السعداوي (وهي غنية عن أي نوع من التصنيف، هنا) بأنهم يختلفون معها، غير أنهم يحترمونها، لأنها لم تنافق النظام يوما؛ وحصل ذلك وسط الزحام وفي لحظة كان من الممكن فيها أن تدوسها أحد أحصنة البلطجية. وفي لحطة، أيضا، كان فيها رجال الأمن المركزي يطلقون الرصاص الحي على المتظاهرين في مدن مصر. وهي اللحظة التي وافق فيها الدكتور جابر عصفور على التوزير.أقول إن دارس ‘بلاغة المقموعين’، وناقد ‘ثقافة التخلف’، وداعية ‘الثقافة المغايرة’، أخطأ بقبول ‘مصيدة التوزير’، بل وبدا لي بصددها ‘فاقدا للنصف الأيمن من عقله’ لولا أمثولة ‘لكل جواد كبوة’ التي تجعلني ألتمس له بعضا من العذر الذي لا يوافقني عليه كثيرون، وخصوصا وأنه لم ينخرط في ‘صناعة الطاغية’ ولا حتى في ‘الحديث بلغة الأرشيف التسلطي’؛ ولعل هذا ما يمكن استخلاصه من ‘نصه التنويري العام’. وأتصور أن نصه التنويري هذا، ومن ناحية صلته بالدولة ذاتها كما أسلفنا، سيظل، في نظرنا، متماسكا وبمنأى عن أن ندحضه بشكل تصوري ومنهجي. هذا وإن كانت المصيدة سالفة الذكر ستظل تشوش على مجموع النظرة إليه، وهذا وإن كانت المصيدة – ذاتها – ستأخذ في التباعد عن النص التنويري مع مرور الأعوام.ناقد وأكاديمي من المغرب